قصه وعبره

اخر يوم على الأرض

اخر يوم على الأرض

بقلم / رحمـــــه اســــامه

سأتم اليوم عامي الستين !!! لكن لا أدري إن كان ذلك يهم ،
لا أدري إن كانت حسابات الزمن القديمة ستستمر.
هذا واقع ، ما يصير واقع أعلم ومع ذلك…هذا أكبر مما يستوعبه المنطق، العين ترى والقلب يؤمن والعقل سيفقد صوابه .
حتى القلب لم يتم إيمانه إلا مؤخرًا، سمع للأصوات الهامسة الخافتة وسط الأصوات العالية.
أبلغ فقط الستين، بالنسبة إلى أقراني أنا صغير، صغير جدًا، فهناك من بلغ المائة والمائتين والخمسمائة وقائدنا حتى أكبر من ذلك بكثير لكني أشعر أني عجوز، عاجز، خائف، جاهل أمام ما أراه…
إن كنت ما أراه هو من فعل الخالق فما بالي بالخالق، كيف هو، وكم تبلغ قوته وما هو بقادر عليه؟
وانا صغير سمعت قصص عدة، سمعت عن يوم تفنى به الأرض، لكنها كانت أشبه بالأساطير وكأن من يروي القصة لم يكن يؤمن بها حقا لكنه كان يتسلى بحكيها كما تسلى عندما حُكيت له أما أبي وأمي فلم يبلغا حتى هذه الدرجة ، لم يرويا تلك القصص أو يؤمنا بها على الإطلاق وإعترفا بذلك، لم يؤمنا بفناء الأرض أو يوم الحساب أو البعث أو أشياء من ذلك القبيل بل لم يؤمنا إلا بالتجارة و”الحجارة” التي يبيعانها على أساس كونها آلهة لكن أبي وأمي كانا منافقين فقد علمت علم اليقين أنهما لم يؤمنا بتلك الحجارة كما أدعيا ولم يكونا بحاجة إلى الدعاء لها والصلاة ، أما أنا فكنت أكثر وضوحًا فلم أؤمن يومًا بها بتاتًا ولم أصلي لها، تلك لا تتكلم ولا تسمع ولا يتغير وضعها، لا تمشي والأكثر..لا تأت ليلًا في الأحلام، بل ما أتى وما رأيته كانت أشياء أخرى…
أعتقدت قديمًا أنها بسبب تأثري بذلك الرجل، أسمع ما يقوله الناس عنه، عما يقوله ويتحدث به، عن وصفه لأشياء غريبة عن عالمنا، أشياء لا نراها ولا نلمسها وشيء ما من ذلك الحديث جعلني أطيل النظر إلى السماء، ألمح أجسام لم ألمحها من قبل، أجسام غير النجوم والقمر والشمس الباديين، ألمح ما يشبه الكرة الكبيرة تطل على سماءنا بجانب القمر البادي في أطراف النهار وساعاته القليلة الأخيرة، ما هذا الجسم، من أين أتى، هذا ليس بنجمٍ ولا هو من ينير السماء ولا هو القمر الفضة، ثم أنام فأحلم….. أحلم أنني أطل على جسم كبير، يبدو كروي ، جسم به أخضر وأزرق وتكدس أبيض، أكاد أجزم أن الأزرق مياه وأن الأخضر أشجار وزروع ولكني وسط سواد وبجانب الجسم هناك أجسام أخرى وكأنه ليس وحده في الكون هناك أجسام مشابه من ضمنها…. من ضمنها ما طل على سماءنا ورأيته يزينها بجانب القمر والشمس.. وشيء ما، صوت ما يحدثني ويقول لي أن هذا موطني، الجسم الأخضر الأزرق موطني وأنا أعيش به، أعيش في مكان صغير، صغير بحيث لا تقيسه أرقام أو مساحة وأنا حجمي في الكون أصغر بكثير حتى لا يراني أو يشعر بي غير….لا ليست الآلهة الصماء التي يعبدها قومي بل كيان آخر، كيان خلق خشب الشجر والطين الذي تصنع به وخلق خالق الأصنام، الإنسان الجاهل الذي يعبدها بعد صنعها بيده وخلق السماء والنجوم والشمس والقمر والجسم الذي سار مختالًا في سماءنا ذلك اليوم والتكدس الأبيض الذي هو السحاب والسماء ذاتها وذلك الذي أراه وانا وسط السواد الذي أحسبه موطني بأخضره وأزرقه والأجسام التي تحوم بجانبه وكل، كل……. ثم أستيقظ مرتعدًا، أظن بي الجنون ولا أحكي لأبي أو أمي بل تجرأت يومًا وحكيت عن شيء آخر، عن حقيقة إعتقادي بالأصنام، وهو أني لا أعتقد بها على الإطلاق، لا أؤمن بها . فكانت إشارة لهما كي يضرباني ولا يتوقفا حتى أنزف من أجزاء من جسدي، أجزاء عدة، وحتى أتوسل لهما وأقول :”لا أريد أن أموت، أريد أن أحيا، أريد أن أحيا” يا لجهلي وسذاجتي…..لم أدرك معنى الموت آنذاك وأنه ليطول الجميع، كما يطول القدر وما يحدث الآن الجميع مهما قاوموا أو حاولوا…هذا ما كان قبل أن أراه بعيني… انتهى بي الحال أمام هذا المبنى الضخم بعد اللعب مع أقراني، جرينا وجرينا وابتعدنا حتى وصلت أمامه…رأيت أخيرًا الفلك…..ذلك الذي حكى عنه الناس، هذا المبنى الذي لا يتوقف الرجل الذي يدعوه الناس بغير العاقل عن بناءه، ما هذا، ما هذه الضخامة، لم يصل خيالي الخصب يوما إلى هذا، ما هذا الحجم، لم أر بحياتي سفينة كتلك، إنها تكاد تتسع للعالم بأجمع، بلغت حينها الخامسة عشرة وسمعت أن البناء بدأ منذ ما يقرب الأربعين عامًا قبل مولدي أي مجموع السنين خمسة وخمسين ، خمسة وخمسين عاما من البناء وما زال مستمرًا، مازال نوح يبني ……. وقفت مذهولًا، لا أتحرك…بينما نادى الجمع علي لكني لم أستجب، لم أكن معهم…جسدي هنا وعقلي وروحي بمكانٍ آخر حتى خرج من السفينة…. هذا من نعته أهلي وقومي بالمجنون، لكني جزمت منذ اللحظة التي وقعت عيني عليه أن ليس بمجنونًا..ولا يقترب ولا على الإطلاق…
نوح ليس بمجنون، لا أصدقه بالكامل، لكنه بالقطع ليس بمجنون، بالكامل؟….
عقلي همس لي بالكامل، أي هناك جزء…جزء مني يصدقه ويصدق حديثه ونبوءته وكلامه عن “الله”. لا أعلم لم، لكن عيناي ملأتهما السحب، للحظة تمنيت أن يكون “نوح” هو أبي بدلًا من ذلك، ذلك الذي كاد يقتلني عندما تحدثت بما صدقته ولم أصدقه، أردت أن أدخل وأري ما بداخل السفينة، أردت أن أجول هناك وأن أبقى مع “نوح” لكن الخوف منعني، خفت مرة أخرى أن “أموت”، أردت أن أحيا…. أدرت له ظهري والتفت أجري قبل أن يقرأ ما يدور بي، يا لسذاجتي! بالطبع علم ، ولو للحظات قد قرأ بي ما دار…..قابلت “سام” ابنه في الطريق وما زادني ذلك غير سرعة، لم أرغب أن يلتقطني أحدهم بجانب أي منهم…..ثم ذهبت إلى البيت ولم أخرج إلا بعد أيام، تزاحمني ف بقيت خائفًا لأيام جرت في ذيلها ذهبت إلى “نوح” المحبب إلى قلبي وقلت له أن يأخذني معه على السفينة التي تقف وسط الصحراء، واني مؤمنًا ليس فقط منذ ذلك الحين ولكن قبل ذلك بكثير ألا أنني لم أعلم! ضقت ذرعًا بأهلي وقومي وزوجتي وحتى ابنتي، ضقت بضيق أفقهم ، ضقت بعدم وجود من يحلم ذات أحلامي وضقت من ضيقتي وقررت أن أستمع لصوت الأقلية ، أن أتبع “نوح” ، هذا ما وجب منذ رأيته ورأيت السفينة للمرة الأولى، ما وجب أن أعود وأضيع كل تلك السنين مع الأصنام التافهه والعقول الأتفه..
ركبت السفينة وظللت هناك، أيام وأيام عشت بها ولم تتحرك، أنام وأصحو ولا تتحرك، أشهد النهار والليل ولا تتحرك، يزور السماء قمرها ويذهب ولا تتحرك حتى…. قطرة جاءت من حيث لا أدري نزلت على كتفي، تحركت على صدري تحسستها بإصبعي، من أين جاءت؟ ثم قطرة اخرى وقطرة بعدها وقطرات لحقت بهم، السماء تمطر..فرحت دومًا بالمطر فهو لا يزورنا كثيرًا، سينمو الزرع وتبتل الرمال ولكني استمعت…صوت جهور، صوت غاضب، الرعد! الذي أعلن عن وفود مطر غزير وليست قطرات… صعدت على السطح في سرعة ونظرت إلى الأرض فوجدتها تتفتح صارت عيون تدفع الماء، الماء من فوق والماء من تحت، الماء يغزو الصحراء …رأيت “نوح” يجري…ينادي إبنه غير “سام” و”يافث” و”حام” الذين ركبوا معنا الفلك وآمنوا بالله مثلي وبأبيهم ، يناديه أن يركب معنا لكنه رد قائلًا أنه سوف يصعد الجبل والجبل سيحميه من الطوفان، يا لجهله! لا يستطيع جبل ولا بشر ولا رمل ولا شيء في الكون صد القدر، صد ما أمر الله به كما الموت الذي خفت منه قبلًا! أدركت حينها أن ما أشهده هو آخر يوم عالأرض، كما عرفناها وتعودنا عليها، هناك تغييرات جذرية، عالمي بأكمله سيتبدل. رأيت الأرض تختفي شيئًا فشيئًا والرمال تغرق والبيوت تغرق والناس تغرق والجبال تغرق والفلك تطفو! هي فقط من تطفو…ابتلت عيوني مع البلل المنتشر وصارت تمطر كمطر السماء حتى أني ظننت أنني شاركت في الغرق مع ماء السماء والأرض ..أبكي بحرقة من هول ما أراه، يا الله …كم تبلغ قدرتك، كم يبلغ غضبك وكم تبلغ رحمتك….عالمي يذوب أمام عيني ويتبدل، أشهد نهاية الأرض، أنا ومن أكون أنا لأشهد مثل ذلك اليوم؟ وبعد أن اختفى كل شيء ما عدانا نحن والسفينة، بعد إختفاء الصراخ والبكاء والوجوه والأصنام وكل شيء وبعد فوات أيام أخيرًا أستطعت النوم….رأيت ما رأيته منذ سنين رأيتني أخرج عن كرة كبيرة، حولي سواد ، همس لي صوت أنها موطني لكن موطني تغير، انزاحت المساحات الخضراء والصفراء وانتشرت المياه، تحول الجسم إلى أزرق! بكامله أزرق….. فات الكثير ونحن نحيا على السفينة ولا أعلم ماذا بعد حتى جاءتنا حمامة بغصن زيتون وعلمنا حينها أن الحياة عادت على الأرض وأن الأخضر واليابس في طريقه إلى الإنتشار مرة أخرى، ثم جاءتني الأفكار، ماذا بعد،
هل بعد أن تخلصنا من القوم الظالمين سيعم الأرض السلام ؟
هل تكون الذرية الجديدة خيرة، سالمة ، صالحة؟
هل سنعيش بعد تلك القيامة بسلام وحب؟
ثم متى تقع القيامة الأخرى ؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock