مناسبات

ما قبلَ الرحيل، أَم: ما بعدَ الرقصةِ الأَخيرة؟

 

اخبار تحيا مصر //رافع آدم الهاشميّ

………

رُبَّما: إِلى اللقاءِ ثانيةً، وَ رُبَّما: وداعاً إِلى الأَبد، قَد تكونُ كلماتيَ هذهِ، هيَ آخِرُ كلماتٍ تصِلُك منِّي إِليك؛ إِذ أَنَّ اليومَ (11/11/2019م)، هُوَ يَومٌ مِن أَسعَدِ أَيَّامِ حياتيَ على الإِطلاق؛ فقَد بدأَت عقارِبُ السَّاعَةِ عَدَّها العَكسيُّ نحوَ الارتقاء، إِذ طوالَ ثلاثِ ساعاتٍ أَو أَكثرَ بتمامِها وَ كمالِها هذا اليومَ، أَصابَتني رعَشاتٌ قويَّةُ تتابُعيَّةٌ اِختارَت أَن تنخُرَ جسدي نخراً، رعشةٌ بعدَ أُخرى تِلوَ أُخرى، ينتَفِضُ فيها جَسدي انتِفاضاً، دُونَ أَلمٍ قَطّ، وَ كأَنَّهُ ريشَةٌ خفيفَةٌ تتقاذفُها رياحٌ عاتيةٌ هُنا وَ هُناك!

طوالَ ساعاتٍ ثلاثٍ أَو أَكثر، وَ أَنا طَريحُ الفِراشِ، فاقِدُ القُدرَةِ على الحَركةِ الجسديَّةِ كُلِّها؛ فأَناملي جميعاً تُعاني وخزَ تنميلٍ شَديدٍ إِلَّا أَنَّهُ هُوَ الآخَرُ أَيضاً دُونَ أَلَمٍ قَطّ؛ وَ كأَنَّ عشرونَ فأَرةً صَغيرَةً تُداعِبُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها أُنمُلةً مِن أَناملي؛ مازحةً معي بمُداعباتها!

في غُرفةٍ مُظلِمَةٍ تخلوَ مِن أَبسَطِ مُقوِّماتِها، اِخترتُ الْخُلوةَ لوحديَ قبلَ أَن تبدأَ عَقارِبُ السَّاعةِ عَدَّها العَكسيَّ هذا، وَ على فِراشٍ مُتواضِعٍ قَديمٍ عانقَ الأَرضَ، استلقيتُ مُمَدَّاً على ظَهريَ أَنظُرُ إِلى سَقفِها القَريب، حَتَّى بدأَ الكَشفُ يُبزِغُ نافِضاً عَنِّيَ الظَلامَ للحظاتٍ قليلةٍ جدَّاً، لا تَقِلُّ عَنِ الثلاثِ أَبداً، وَ لا تَزيدُ عَنِ الخَمسِ مُطلَقاً، رأَيتُ فيهِ أَماميَ مُباشرةً، ذِئباً جَسورَاً، كانَ يَجلِسُ لوحدِهِ جَلسةً مَلَكِيَّةً وَقورَةً، ما أَن نظرتُ بعَينيَّ إِلى بريقِ عَينيهِ الحادَّتينِ، حتَّى وقفَ فوراً على قدميهِ، وَ أَخذَ يتقدَّمُ نحويَ بوِقارٍ وَ هَيبَةٍ وَ فَخامَةٍ مُنقَطِعَةِ النضيرِ، كانتِ المسافَةُ الّتي تَفصِلُ بيننا مُنذ كانَ جالِساً، تُقارِبُ الأَمتارَ الثلاثةَ أَو أَكثرَ بقليلٍ، إِلَّا أَنَّ المسافةَ بدأَت تَقِلُّ بيننا؛ كُلَّما تقدَّمَ هُوَ إِليَّ، حتَّى باتَ قريباً مِنِّي كثيراً، شبرٌ أَو أَقلُّ هُوَ ما يفصِلُ الآنَ بينَ وجههِ وَ وجهيَ أَنا، لا زِلنا كِلانا ننظرُ في عَينيّ الآخَرَ دُونَ أَن ترمُشَ عَينُ واحِدٍ مِنَّا لحظةً قَطّ، وَ فجأَةً! اختفى الذِئبُ تماماً، تارِكاً وراءَهُ هالةً مِن النُّورِ الساطعِ تتراقصُ أَمامَ عَينيَّ في هذهِ الظُلمةِ الْمُحيطَةِ بي! لتبدأَ بعدَها بلحظاتٍ قليلةٍ جِدَّاً مَرحلَةُ الرعَشاتِ ثُمَّ بعدَها مرحلَةُ التنميلِ في أَناملي كُلِّها، حتَّى مرحلةِ النهوضِ على قَدَمَيَّ وَ النحولُ يُعانِقُ كُلَّ خليةٍ في جسدي مُعانقةَ الخَليلِ لِخَليلهِ!

ما حدثَ معيَ، كانَ حَقيقةً واقعيَّةً رأَيتُها وَ لمستُها وَ أَحسستُ بها أَيضاً، وَ ليسَ صياغةً أَدبيَّةً مِن نسجِ الخيال! هُوَ كَشفٌ على غِرارِ العَديدِ مِنَ الكشوفاتِ الّتي سبقتُهُ في أَوقاتٍ عَديدةٍ، وَ في أَماكِنٍ مُختَلِفَةٍ جدَّاً.

بالنسبةِ لي، فإِنَّ هذهِ الكشوفاتَ قَد أَصبَحَت أَمراً طبيعيَّاً للغايةِ جدَّاً، وَ قَد اعتدتُ على لَمِسها عياناً حينَ ظهورها الفُجائيِّ تارةً هُنا، وَ تارةً هُناك، إِلَّا أَنَّ الغَريبَ في هذا الكَشفِ هُوَ: أَنَّني وَ للمَرَّةِ الأُولى في حياتيَ أَشعرُ بتفَجُّرِ الحَنينِ الثائرِ دُونَ انقطاع!

وَ لأَوَّلِ مَرَّةٍ في حياتي، أُفَكِّرُ جِديَّاً بحَرقِ جَميعِ مؤلّفاتيَ الورقيَّةِ المخطوطَةِ الجاهزةِ للطباعَةِ وَ الّتي تزيدُ أَعدادُها على عَشراتِ الْمُجلّداتِ ذاتِ القَطعِ الكَبير، معَ مَحوِ جَميعِ الحَقائقِ وَ الخفايا وَ الأَسرارِ وَ الكشوفاتِ الرَّبانيَّةِ الّتي تمتلئٌ بها مؤلّفاتيَ الإِلكترونيَّةِ الّتي تزيدُ أَعدادُها على مئاتِ الكُتُبِ الإِلكترونيَّةِ الْمُعَدَّةِ للتنقيحِ وَ التجهيزِ لطباعتها ورقيَّاً!

– فما فائِدَةُ التأَليفِ وَ أَنا سَجينٌ مُقيَّدٌ بالأَغلالِ في أَرضٍ يَدَّعي جُلُّ حُكّامِها وَ مَحكوميها الإِسلامَ زوراً وَ بُهتاناً وَ الإِسلامُ الأَصيلُ مِنُهم بريءٌ جُملةً وَ تَفصيلاً؟!!!

– ما فائِدَةُ التأَليفِ وَ أَنا أُعاني الآلامَ بصمتٍ وَ الآخرونَ صُمٌّ عَميٌ لا يشعرونَ وَ لا يَفقهون؟!!!

– ما فائِدَةُ التأَليفِ وَ أَنا في أُمَّةٍ، المسلمونَ جُلُّهم فيها كافِرون، وَ الكافِرونَ كُلُّهم فيها مُسلمون؟!!!

وَ لأَوَّلِ مَرَّةٍ في حياتي، أَبكي بحُرقةٍ شَديدةٍ مَريرةٍ بعدَ الكَشفِ! لقَد بكيتُ قبلَ الآنَ لمرَّاتٍ عِدَّةٍ، إِلَّا أَنَّ بُكائيَ كانَ أَثناءَ الكشفِ؛ وَ لأَسبابٍ تتعلَّقُ بما كُنتُ أَراهُ في الكَشفِ ذاتهِ هُوَ، أَمَّا بُكائيَ الآنَ، فقَد كانَ لأَسبابٍ تتعلَّقُ بي أَنا!

– مَن أَنا؟

سؤالٌ سأَلتُهُ لنفسيَ اليومَ وَ أَنا أَتحَسَّسُ حَرارةَ الدموعِ الْمُنهارَةِ على خَدِّيَ مِدراراً، فباحَ لسانُ قلبيَ بالجوابِ قائلاً:

– أَنا أُمٌّ ثكلى تلدمُ صدرَها؛ حُزناً على فَقيدِها الحَبيب!

– أَنا طِفلٌ كَبيرٌ يبتَلِعُ الصُراخَ؛ جُرحاً على فَقدِهِ الحَنان!

– أَنا ثورةُ بُركانٍ يَسيرُ على قَدمينِ بصَمتٍ كَئيب!

– أَنا بحرٌ زاخِرٌ مِنَ الحقائقِ وَ الخفايا وَ الأَسرارِ يتوقُ للجَفافِ سريعاً عاجِلاً دُونَ انتِظار!

– أَنا حَمامَةٌ بيضاءٌ تتراقَصُ أَلماً على سِكِّينِ ذابحيها وَ الدِّماءُ الطاهِراتُ مِنها تسيلُ سيلاً هادِراً دُونَ انقِطاع!

– أَنا العازِفُ على أَوتارِ الفِطَرةِ الإِنسانيَّةِ النبيلَةِ في صَخَبٍ يزدادُ هَذياً وَ هذياناً بينَ المسوخ!

– أَنا الدالُّ على الصِّراطِ في زمنِ الفوضى!

– أَنا الّذي وُلِدتُ فَسُجِنتُ ثُمَّ قُتِلتُ في زمانٍ غيرَ زماني، وَ في مكانٍ غيرَ مكاني!

– أَنا الّذي لا يشعرُ بقيمَتي أَحَدٌ حَتَّى بَعدَ رحيليَ الأَبديِّ القادمِ لا محالة!

– أَنا نجمةٌ شعَّت بنورِها في هُدوءٍ بعيداً عنِ الأَضواء، وَ سأَغيبُ قريباً في هُدوءٍ مُماثِلٍ أَيضاً بعيداً عَنِ الأَضواء!

آآآآآه! جِراحيَ تؤلِمُني، وَ أَحزانيَ تُكلِمُني، وَ كشوفاتيَ تُعلِمُني: بأَنَّني على وشكِ الرحيل.

– لَيتَني كُنتُ حِماراً كبقيَّةِ الْحَميرِ؛ لا يعلمونَ شيئاً إِلَّا حملَهُم الأَسفارَ دُونَ أَن يفقهون!

أُمنيَةٌ تمنيتُها كثيراً، فأَن أَكونَ إِنساناً في أُمَّةٍ جُلُّها المسوخُ، فهُوَ بؤسٍ وَ شَقاءٌ وَ عذاباتٌ تنخرُ بي نخراً بلُبِّ الفُؤاد!

لقَد ماتَ الْمَلِكُ قبلَ أَن يولَدَ حَتَّى، وَ باتتْ رُقعَةُ الشطرنجِ بلاعبيها تَفرِضُ قوانينها اللعينة!

لَقدِ استحالَتِ الدائرَةُ نقاطاً شَتَّى، وَ صارتِ الفوضى نظِاماً بلا نِظام!

وَ خَيرَ أُمَّةٌ أُخرِجَتْ للنَّاسِ كانت فَوَلَّتْ وَ ما مِن أُمَّةً بعدَها مثلما كانت تكون!

آآآآآه! جِراحيَ تؤلِمُني، وَ أَحزانيَ تُكلِمُني، وَ كشوفاتيَ تُعلِمُني:

– بِئسَ أُمَّةٍ؛ يتمَنَّى التَّقيُّ فيها أَن يكونَ حِماراً!

هذا البوحُ مِنِّي إِليك أَنت؛ هُوَ فَيضٌ مِن غَيضٍ، وَ قَطرةٌ نقيَّةٌ مِن بحرٍ زاخرٍ بالخيراتِ، هُوَ بوحٌ عَن صَمتٍ يحتويهِ؛ وَ البوحُ بالصَمتِ بَوحٌ لا صَمتَ فيهِ! وَ لَعَّلَهُ يكونُ آخِرٌ بوحٍ مِنِّي إِليك!

عَلَّني بدأَتُ لحظةَ الارتقاء إِلى العالَمِ الآخَرِ دُونَ رجعةٍ بعدَ ذلك!

لستُ أَدري! هذا الكَشفُ يَعني:

– ما قبلَ الرحيل، أَم: ما بعدَ الرقصةِ الأَخيرة؟

الأَهَمُّ عندي مِن معرفتي الجوابَ، هُوَ إِنَّني:

– أُريدُ أَن أَنامَ بسلامٍ دائمٍ إِلى الأَبد!

– أُريدُ أَن أُغمِضَ عَينيَّ فلا أَفتحهُما ثانيةً إِلَّا وَ أَنا في الحَياةِ الآخِرَة!

– أُريدُ أَن أَحيا بهدوءٍ خالِدٍ لا صَخَبَ فيهِ مُطلَقاً!

– أُريدُ حَناناً دافِقاً يحتَضِنُنُي بدفءِ جناحيهِ وَ يُشعِرُني بحرارةِ أَنفاسِهِ الطاهرة!

إِنَّني:

– بحاجةٍ إِليك يا حَبيبَ فُؤاديَ الْجَريح!

فَعجِّل إِليَّ سريعاً؛ فإِنَّ الدموعَ جَمراتٌ تُحرِقُني حَرقاً دُونَ انقِطاع!

إِنَّني:

– أُناديك يا جَدَّاهُ يا رسولَ الله!

روحي لكَ الفِداء؛ فأَنتَ الداءُ، وَ أَنتَ الدواء.

 

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock