مقالات

الأموات الأحياء

 بقلم //روعة محسن الدندن

الموت الحقيقي عندما تعيش بلا حلم وبلا علم وبلا موسيقى
ويتوقف قلبك عن الحب وعقلك عن التفكير
وتموت ببطئ كل يوم والأيام تعيد نفسها وتتكرر في أفراحها وأحزانها والحياة حولك بين تهنئة وتعازية
فتكون جدران الوحدة قبرا باردا يمنحك فقط حرية الحركة
ولم تفكر بوضع رفا واحدة لتبدأ طريق سعادتك من خلال السفر والإبحار ولكنك سجين بمعتقدات من حولك وثرثراتهم
ليست الوحدة بالعيش منفردا ولكن وحدتك القاتلة بمجتمع لا تنتمي له وأفكارا تقتل معنى الحياة وتجعل من عمرك خريفا
منذ ولادتك ولونا واحدا للحياة فالرمادية تحيط بنا
من خلال الأشخاص وأحاديثهم وحتى تعاملاتهم وتصبح الملامح والمشاعر حسب حضورك وحسب تقيدك بالولاء المطلق لكل مايتم ممارسته من خداع
لتكتشف يوما أنك هم ولست أنت ولن تغير أو تتغير مادمت سجنت فكرك وروحك بسجون الأخر
عندها تقرر حمل حقائبك لتسافر بعيدا عن كل هذا ،ومن سيمنحك تذكرة الهجرة شخصا ربما لا تعرفه ولم تلتقِ به يوما
ولكن الصدفة جمعتك به من خلال حروف في رواية أو قصيدة
أو حكمة سجلها التاريخ له
لتكتشف أن سر الحياة والسعادة وعائلتك ومدرستك هي من خلال القراءة وتقليب صفحات الكتب
لتكتشف سر الحضارات وعبقرية البشر وأن بعضهم يمنحك مفتاح الحياة الحقيقية
هذا ما حدث منذ زمن بعيد عندما قرأت الرهان
أنطون تشيخوف
نحن لم نلتقِ يوما ولكن يبدو اكتشفت سر الحياة مبكرا
وتحررت مبكرا من سجون العادات ولم أتعمق بأفكارهم وأكون الأرض التي يزرعون بها كل السخافات

ورهاني مختلف عن أنطون تشيخوف
لأنني نظرت للحياة من خلال الموسيقى التي تجعل من روحي ريشة تتنقل بين اللوحات وعشت أخطر المغامرات مع أجاثا كريستي وعرفت مذاق العشق من قصائد نزار قباني وجلست مع الأمراء والفقراء والأطباء وأصحاب الحِرف
من خلال قصاصات ورق
وحتى تلك الأوراق التي تقدم لي من خلال سندويشة عندما كنت أعمل لم أهمل يوما ورقة
وعندما قررت الخروج لسجن البشر تعلمت البحث عن الحقيقة
لأفكارهم ومعتقداتهم وتعلمت أن الغني والعظيم من يسجنك بفكره ومشاعره ويغير حياتك من خلال حكمته
ولكن أغلب البشر شغلهم الصراع على جمع الأموال والسلطة أكثر من حصولهم على سعادتهم وحرية أرواحهم فهم سجناء الحياة
الأموات الأحياء
وكانت الولادة من خلال عبقرية أنطون تشيخوف من رسالته في رواية الرهان
صديقي المليونير أسعد لم يكن هدفي عندما استضفتني بسجنك إلا النيل منك ومن ثروتك والحصول على هذا المبلغ الضخم الذي اتفقنا أن تدفعه لي عند انقضاء الخمسة عشر عاما ً وصبرت في سبيل تحقيق ذلك كثيرا ً أعواما ً طوالا ً ولكنني قبل انقضاء الوقت كله بنصف ساعة قررت الانعتاق من سجني والانطلاق إلى الحياة فقيرا ً معدما ً لا أملك من حطام الدنيا قشة واحدة ولا نصير لي فيها ولا معين إلا أنني خلال سجني لم أجد مؤنسا ً لي غير الكتاب فأقبلت ألتهم الكتب التهاما ً وكأنها غذائي وكسائي طعامي وشرابي حلقت في قراءاتي بغياهب الكون وفي مجاهل الطبيعة وفي مختلف الأمصار والاصقاع والبقاع قرأت التاريخ والجغرافية والفلسفة والطب والعلوم الإنسانية تبحرت بالتاريخ قديمه وحديثه وعجبت من مصائر الدول ومن سطوة الحكام وأكبرت بطولة الشعوب استغرقتني كتب الجغرافية فإذ بي أطوف حول العالم وأصعد الجبال وأهبط الوديان وأتأمل صنع الله وأنا قابع في مكاني تعلمت سبعة لغات أجنبية حية وقرأت بواسطتها معظم التأليف الأجنبية واطلعت على الأداب الإنسانية والعلوم الكونية والروايات الأدبية والفنون العالمية تعرفت على إبداعات العقل البشري أحببت كرهت سافرت حلمت عشت الحياة بكل تفاصيلها وما شعرت يوما ً أني مسجون أسير بل حرُ ُ طليق أتجول كيف أشاء وأطير بأي سماء قرأت معظم ما أنتجه العقل البشري قرأت تاريخ الأديان وعرفت الله توحدت ُ معه وسبحت بحمده وصرت قريبا ً منه أكثر أنا لم أخسر أنا الرابح بكل تأكيد لم تعد تهمني ثروتك وزاد أحتقاري للمال إذ هو الغاية إنني أرثي لك أيها العابد مالا ً وأشكرك لأنك كنت سبب في حصولي على كنوز المعرفة وداعا ً وليهنأ كل بفوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock