اخبارديندينقضايامقالات

سلوكيِّاتٌ صادِمةٌ وَ أَخطرُها يحدثُ في هذا البلد حَصراً

سلوكيِّاتٌ صادِمةٌ وَ أَخطرُها يحدثُ في هذا البلد حَصراً
………
بقلم:
رافع آدم الهاشميّ
………
السُّلوكُ هُوَ سيرَةُ شخصٍ وَ تصرُّفُهُ وَ اتِّجاهُهُ، وَ بمعنىً أَوضحٍ: أَنَّ السُّلوكيَّاتَ هيَ كُلُّ ما ينتُجُ عَنِ الشخصِ، ذكراً كانَ أَو أُنثى، مِن أَفعالٍ وَ ردودِ أَفعالٍ بناءً على ما يؤمِنُ بهِ مِن أَفكارٍ تستندُ إِلى معلوماتٍ لديهِ، وَ حيثُ أَنَّ الشخصَ (غيرَ الْمُحقِّقِ) يستقي معلوماتهِ مِن مُحيطهِ أَكثرَ مِن أَيِّ شيءٍ سِواهُ، فإِنَّ طبيعةَ الْمُجتَمعِ هيَ الّتي تؤثِّرُ (غالباً وَ ليسَ دائماً) في صياغةِ هذهِ السُّلوكيِّاتِ، لذا: فإِنَّ السُّلوكيِّاتَ إِمَّا أَن تكونَ حَسِنةً، أَو: سيِّئةً، وَ مِن ثَمَّ (بفتحِ الثاءِ لا بضمِّها) فهيَ الّتي تُحدِّدُ بالتدريجِ تتابُعيَّاً، مُحافظةَ الشخصِ على إِنسانيِّتهِ بفطرتهِ السَّليمةِ الّتي فطرهُ اللهُ عليها، أَو انسلاخهِ مِنها، مِمَّا يعني، بداهةً وَ بطبيعةِ الحالِ أَيضاً؛ وِفقاً لقاعدةِ التوالدِ الموضوعيِّ إِحدى قواعِدِ عِلم المنطق، أَنَّ التأَثيراتَ السلبيَّةَ أَوِ الإِيجابيَّةَ ستُصيبُ الشخصَ ذاتهُ لا محالةَ عاجِلاً أَم آجلاً، وَ تُصيبُ غالبيَّةَ مَن في الْمُجتمعِ أَيضاً على غِرارِ ذلكَ، فإِن كانتِ السُّلوكيِّاتُ حَسنةً، أَصابَت بإِيجابيِّاتها، وَ إِن كانت سيِّئةً أَصابَت بسلبيِّاتها؛ وَ إِن ظنَّ الظانُّ عكسَ ذلكَ؛ إِذ: جزاءُ الْعَمَلِ مِن جنسِ العَملِ ذاتهِ.
كُلُّ مُجتَمَعٍ يَمتازُ بسلوكيِّاتٍ تُميِّزُهُ عَن غيرِهِ مِنَ الْمُجتَمعاتِ، وَ كُلُّ مُجتَمعٍ أَيَّاً كانَ، وَ أَينما كانَ، بغضِّ النظرِ عن عِرقِ أَفرادهِ أَو انتمائِهم أَو عقيدتهم، أَو حتَّى درجتهم العلميَّةَ (الأَكاديميَّةَ) أَوِ مكانتهِم الاجتماعيَّة، فيهِ حَسِنُ السُّلوكِ، وَ فيهِ سيِّءُ السُّلوكِ أَيضاً، أَيّ: كُلُّ مُجتَمَعٍ فيهِ الصَّالِحُ وَ الطالِحُ أَيضاً، إِلَّا أَنَّ الفارِقَ بينَ مُجتَمَعٍ وَ آخَرٍ هُوَ النسبةُ المئويَّةُ لأَعدادِ الأَشخاصِ الصَّالحينَ وَ الطالحينَ فيهِ، هذا يعني: أَنَّ الْمُجتمعَ الّذي يزدادُ فيهِ الصَّالِحونَ سيكونُ مُجتَمَعاً أَفضل مِن غيرِهِ الّذي يكثرُ فيهِ الطَّالحون.
على مَرِّ سنواتِ حياتي المنصرمةِ كُلِّها، وَ الّتي تُقارِبُ الآنَ الخمسةَ عقودٍ بقليلٍ (خمسينَ عاماً)، فإِنَّ أَبشعَ السُّلوكيِّاتِ السيِّئةِ الّتي وجدتُها في بلدٍ مُحَدَّدٍ دُونَ سِواهُ، كانت عبارةً عن السُّلوكيِّات التاليةِ (نموذجاً واقعيَّاً لا على سبيلِ الحصر):
(1): الاِنحطاط.
(2): اِنعدام الأَدب.
(3): جعل الحقّ باطِلاً وَ الباطل حَقَّاً.
(4): التطاول على الآخَر بالأُمِّ وَ الأَب.
(5): مُمارَسَةُ الدعارة.
(6): السَفالة.
(7): الشتم.
(8): القذارة.
(9): القُوادة.
(10): الكَذِب.
(11): الغدر.
(12): الخيانة.
(13): الوقاحَة.
(14): الفجور.
(15): الدِياثة.
(16): الدياحة.
وَ لَعلَّ أَكثرُ السُّلوكيِّاتِ الصادِمَةِ لنا نحنُ (أَنا وَ أَنت) وَ للآخَرينَ أَمثالُنا الشُّرفاء هي: الدياثةُ، وَ أَكثرُ السُّلوكيِّاتِ استنزافاً لمواردِ البلدِ برُمَّتهِ هيَ: الدياحة.
أَمَّا الدياثة؛ فهيَ: عدم الغيرة على العِرض، وَ صاحبُها يُسمَّى باسمِ دَيِّوث، وَ هُوَ الشخصُ الّذي يرضى في أَهلهِ الفجورَ بشتَّى أَنواعهِ وَ أَشكالهِ، وَ يُعرَفُ بمعناهُ الْمُتعارَفِ عليِه على أَنَّهُ: الزوجُ الّذي تُمارِسُ زوجتُهُ الجنسَ معَ رَجُلٍ آخَرٍ أَو معَ عِدَّةِ رِجالٍ أَو معَ امرأَةٍ أَو معَ عِدَّةِ نساءٍ أَو معَ مجموعةٍ مُختلَطَةٍ مِنَ الجنسينِ وَ هُوَ على عِلمٍ بذلكَ وَ راضٍ بهِ.
وَ أَمَّا الدياحَة؛ فهيَ: غيابُ الشخصِ عَنِ البيتِ ذهاباً وَ إِيِّاباً مُدَّةً طويلةً أَو قصيرَةً بلا سَببٍ وَ بدونِ أَيِّ هدفٍ، مِمَّا يؤدِّي إِلى ضياعِ الوقتِ وَ الْجُهدِ وَ المالِ، وَ دُون أَن يعرِفَ أَهلُ الشخصِ هذا شيئاً عنِ ذهابهِ وَ إِيِّابهِ، وَ صاحِبُها إِن كانَ ذكراً يُسمَّى باسمِ دايح، وَ إِن كانَ أُنثى تُسمَّى باسمِ دايحة، وَ هي كلمةٌ دارِجَةٌ مِن كلماتِ البلدِ الّذي أَنا بصَددِ الحديثِ عنهُ.
– هل صدمتك هذهِ السُّلوكيِّاتُ بوجودِها جميعاً في بلدٍ واحدٍ دُونَ سِواهُ؟
لا زالَ هُناك ما هُوَ الأَكثرُ بشاعةً، وَ الأَشدُّ صدمةً منها جميعاً؛ ففي هذا البلدِ دُونَ سِواهُ وجدتُ ما لَم أَجِدُهُ إِلَّا فيهِ وَ ما لَم أَسمَع يوماً عن حدوثهِ في أَيِّ بلدٍ آخَرٍ غيرَهَ، بل حتَّى أَنَّني لَم أَقرأَ يوماً عَن وجودهِ في تاريخِ بلدٍ آخَرِ مُطلَقاً، هذهِ السُّلوكيِّاتُ الأَكثرُ بشاعةً وَ الأَشدُ صدمةً هيَ:
(17): أَلفاظٌ بذيئةٌ جدَّاً لم يسمَع أَحدٌ بها مِن قَبلُ تُقالُ على لسانِ ذكورٍ خاصَّةً وَ إِناثٍ عامَّةً.
(18): اِنعدامُ الغيرةِ على الدِين لدى الجنسينِ معاً.
(19): التطاولُ على صحابةِ الرَّسولِ وَ الأَئمَّةِ الأَطهارِ بما فيِهِم الإِمام المهديّ (عليهِمُ السَّلامُ جميعاً وَ روحي لَهُم الفِداءُ) وَ على أُمَّهاتِنا (أُمَّهاتُ المؤمنينَ وَ المؤمناتِ) زوجاتُ النبيِّ الأَمينِ (عليهنَّ السَّلامُ جميعهنَّ وَ روحي لَهُنَّ الفِداءُ) وَ على الفُقهاءِ الأَبرارِ (رضوانُ اللهِ تعالى عليهِم أَجمعين) بغضِّ النظرِ عَنِ الطائفةِ الّتي ينتمي إِليها هؤلاءِ الفُقهاء.
(20): سَب وَ شتم وَ لعن الله (تقدَّسَت ذاتُهُ وَ تنزَّهَت صِفاتُهُ وَ تعالى اللهُ عَمَّا يَصِفونَ).
(21): الكُفر باللهِ.
إِنَّهُ باختصارٍ شَديدٍ للغايةِ جدَّاً: مُجتمَعٌ ساقِطٌ بكُلِّ معنى الكلمةِ، هذا ما ينطِقُ بهِ عقلُك أَنت وَ ما قَد يقولُهُ أَيُّ إِنسانٍ شريفٍ، لكن! مهلاً مِن فضلك، رويداً؛ ففي هذا الْمُجتمعِ يوجَدُ أَيضاً الصَّالحونَ وَ الصَّالِحاتُ، إِلَّا أَنَّ فئةً غيرَ قليلةٍ مِنَ الْمُجتَمعِ هذا (معَ بالغِ الأَسَفِ الشديدِ) تتَّصِفُ بسوءِ سلوكيِّاتها الصادِمةِ هذه، بغضِّ النظرِ عَن درجةِ أَحدهِم العلميَّة (الأَكاديميَّة) أَو مكانتهِ الاجتماعيَّة!
الأَكثرُ صدمةً، هُوَ أَن يكونَ الْمُجتَمَعُ هذا في بلدٍ تحتِضنُ أَرضُهُ أَضرَحةَ أَئِّمَةٍ أَشرافٍ مِن آلِ بيتٍ النبوَّةِ، الّذينَ هُم آبائيَ وَ أَعماميَ الأَئمَّة الأَطهار (عليهِمُ السَّلامُ جميعاً وَ روحي لَهُم الفِداءُ)، وَ الأَكثرُ صدمةً أَيضاً، إِلى أَقصى حدودِ الصدمةِ فيها، علاوةً على أَن تصدُرَ هذهِ السُّلوكيِّاتُ الصادِمَةُ ، هُوَ أَن يدَّعي الطالِحونَ هؤلاءِ وَ الطالِحاتُ أَيضاً، أَنَّهُم وَ أَنَّهُنَّ مِن ذوي وَ ذواتِ الصَّلاح! وَ الطامَةُ الكُبرى أَنَّ أَصحابَ هذهِ السلوكيِّات الصادمةِ القميئةِ يُغَلِّفونَ حِلِّيَّةَ سلوكيِّاتهِم السيِّئةِ هذهِ بغلافِ الدِّينِ وَ الدِّينُ مِنهُم وَ مِن سلوكيِّاتِهم هذهِ بريءٌ جُملةً وَ تفصيلاً.
إِنَّهُ النِّفاقُ بعينهِ في أَسوَءِ وَ أَحَطِّ مُستوياتهِ، فأَنْ نرى رَجُلاً يُصلِّي في المساجدِ وَ الجوامعِ وَ يَقرأُ القُرآنَ وَ يصومُ رمضانَ وَ يَحِجُّ إِلى الكعبةِ كذلكَ، وَ هُوَ في الوَقتِ ذاتهِ يرتكِبُ هذهِ السّلوكيِّاتَ الصادمةَ برُمَّتها، خاصَّةً سَب وَ شتم وَ لعن الله (تقدَّسَت ذاتُهُ وَ تنزَّهَت صِفاتُهُ)، فهذا ما لا يُمكِنُ لأَيِّ شريفٍ مِنَّا أَن يتحمّلهُ على الإِطلاقِ!
– إِنَّهُ بلدُ الشِقاقِ وَ النِّفاقِ وَ مساوئ الأَخلاق، إِنَّهُ العراق!
– بلدُ الظالمِ وَ المظلوم، وَ القاتلِ وَ المقتول، وَ التابعِ وَ المتبوع، وَ العابدِ وَ المعبود!
– إِنَّهُ بلَدُ التناقضات!
هذا البلدُ الّذي عانيتُ فيهِ الكثيرَ الكثيرَ مِنَ الآلامِ وَ الْجِراحِ، بما فيها ما وجدتُهُ مِن هذهِ السَّلوكيِّاتِ الصادمةِ لدى فئةٍ غيرِ قليلةٍ مِنَ الشعبِ العراقيِّ الّذي يُفتَرَضُ بهِ أَن يكونَ شعباً عظيماً (كما يقولونَ)!!! وَ الأَكثرُ مرارَةً أَنَّني وجدتُ جُلَّ هذهِ السُّلوكيَّاتَ لدى الكثيرينَ مِن أَقربائيَ هُناكَ، سواءٌ أُولئكَ الّذين تربطهُم بي صِلةُ نسَبٍ أَو صِلَةُ سَببٍ! وَ هُوَ أَحَدُ الأَسبابِ الّتي جعلَتني مُنذُ أَربعةَ عشرَ عاماً (14) مِن يومِنا هذا أُهاجِرُ بعيداً عَنهُ، تاركاً أَرضَ أَبيَ الإِمامُ الْحُسينِ (عليهِ السَّلامُ وَ روحي لَهُ الفِداءُ) كربلاء، الّتي كانت سَكناً لي بضعَ سنواتٍ، وَ راحِلاً عَن أَرضِ ولادتي بغداد، متوجِّهاً إِلى أَرضِ أَجداديَ الفاطميينَ الأَشراف: سوريا الْحَبيبة، لتكونَ عاصمتها دمشقَ شاهِداً على احتضانها لي وَ احتضانيَ لها أَيضاً؛ بعدَ أَن طفحَ الكيلُ منِّي، وَ انتفضَ الصَبرُ لديَّ، وَ بلَغَتِ الأَوجاعُ لُبَّ الفُؤادِ، وَ ما في جُعبَتي مِن حقائقٍ وَ خفايا وَ أَسرارٍ بتفاصيلها الدقيقةِ عَن وقائعها في هذا البلدِ بأَسمائها وَ مُسمَّياتِها أَكثرُ مِنَ الكثيرِ، يملأُ سَرديَ لها عِدَّةَ مُجلَّداتٍ مِنَ القَطعِ الكَبير.
إِذاً:
– هلَ مِنَ الغَريبِ أَن نجِدَ الكثيرينَ في التَّاريخِ يذمّونَ أَهلَ العِراقِ؟!
مِنهُم (على سبيلِ المثالِ الواقعيّ لا الحصر) الْحَجَّاجُ بن يوسُفُ الثقفيُّ، المتوفّى سنة (95هـ/ 714م)، الّذي قالَ:
– "يا أَهلَ العراق! يا أَهلَ الشِقاقِ وَ النِّفاقِ وَ مساوئَ الأَخلاق، إِنِّي سَمِعتُ تكبيراً في الأَسواقِ ليسَ بالتكبيرِ الّذي يُرادُ بهِ الترغيبُ، وَ لكنَّهُ تكبيرٌ يُرادُ بهِ الترهيبُ، وَ قَد عصَفَت عَجاجَةٌ تحتَها قَصفٌ، يا بَني اللَكيعَةِ وَ عَبيدَ العَصا وَ أَبناءَ الإِماءِ وَ الأَياميَ، أَلا يربَعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنكُم على ضِلعهِ وَ يُحسِنُ حَقنَ دَمهِ وَ يُبصِرُ موضِعَ قَدَمهِ؟! فأُقسِمُ باللهِ لأُوشِكُ أَن أُوقِعَ بكُم وقعَةً تكونُ نِكالاً لِما قَبلها وَ أَدباً لِما بعدها".
[البداية وَ النهاية].
وَ اللكيعةُ: هيَ اللئيمَةُ، وَ اللئيمَةُ هيَ الدَنيئةُ الأَصلِ الشَحيحَةُ النفسِ المذمومَةُ؛ لانحِطاطِ أَخلاقِها.
– وَ هَل مِنَ العَجيبِ أَن نجِدَ أَنَّ أَميرَ المؤمنينَ الإِمامُ عليٍّ بن أَبي طالبٍ الهاشميِّ (أَبيَ، عليهِ السَّلامُ وَ روحي لَهُ الفِداءُ) هُوَ الّذي يذمُّ أَهلَ العِراقِ ذمَّاً صريحاً واضِحاً وَ يدعو عليهِم أَيضاً؟!
قالَ الإِمامُ عليٌّ بن أَبي طالبٍ الهاشميّ (كرَّمَ اللهُ تعالى وجَهَهُ الشَّريفَ):
– "أَمَّا بَعدُ يا أَهلَ العِراقِ، فإِنَّما أَنتُم كالمرأَةِ الحاملِ، حَمَلَت فلَمَّا أَتمَّت أَملَصَت وَ ماتَ قَيِّمُها، وَ طالَ تأَيُّمُها، وَ ورثها أَبعدُها، أَما وَ اللهِ ما أَتيتُكُمُ اختياراً؛ وَ لكن جِئتُ إِليكُم سَوقاً، وَ لَقَد بلَغَني أَنَّكُم تقولونَ: (عَليٌّ يَكذِبُ)، قاتَلَكُمُ اللهُ تعالى! فعلى مَن أَكذِبُ؟! أَعلى اللهِ؟! فأَنا أَوَّلُ مَن آمَنَ بهِ، أَمْ على نبيِّهِ؟! فأَنا أَوَّلُ مَن صَدَّقَهُ، كَلَّا وَ اللهِ، وَ لكنِّها لَهجَةٌ غِبتُم عَنها، وَ لَم تكونوا مِن أَهلِها، وَيلُ أُمِّهِ كَيلاً بغيرِ ثمنٍ، لو كانَ لَهُ وِعاءٌ، {وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}".
[نهجُ البلاغة للإِمام عليّ بن أَبي طالبٍ: الجزء الأَوَّل، ص (118 – 118)، شرح الأُستاذ الإِمام الشيخ مُحمَّد عَبدُه مُفتي الديار المصريَّة سابقاً، الطبعة الأُولى الصادرة عن دار المعرفة للطباعة و النشر في بيروت، وَ: نهج البلاغة: ص (100)، تسلسل (71)، ضبطَ نصَّهُ وَ ابتكرَ فهارسَهُ العلميَّة الدكتور صُبحي الصَّالح أُستاذ الإِسلاميِّات وَ فِقه اللُّغة في كُلّيَّة الآداب بالجامعةِ اللبنانيَّة، الطبعة الرابعة الصادرة سنة (1425هـ/ 2004م) عن دار الكتاب المصريّ في القاهرة وَ دار الكتاب اللبنانيّ في بيروت].
– هل رأَيت أَنت بلداً يُذَمُّ أَهلُهُ بهذا الشكلِ الفَظيع؟!
مِمَّا لا شكَّ فيهِ عندي أَبداً، أَنَّ هذا الذمَّ وَ سِواهُ، لا يشمِلُ جميعَ أَبناءَ الشعبِ العراقيِّ، بل هُوَ يخصُّ الفئةَ غير القليلةِ مِنهُم ذوي وَ ذواتِ هذهِ السُّلوكيِّاتِ الصادمةِ القميئةِ، وَ أَنَّ جميعَ الصَّالحينَ وَ الصَّالِحاتِ الّذينَ هُم وَ اللواتي هُنَّ مِن هذا الشَعبِ، إِنَّما هؤلاءِ الصَّالحونَ وَ الصَّالِحاتِ خارِجَ دائرةِ الذمِّ هذهِ جُملةً وَ تفصيلاً، فلاحِظ (ي) أَنت وَ تبصَّر (ي)!
السؤالُ الْمُهِمُّ هُوَ:
– هذهِ الكروبُ وَ البلاءاتُ بما فيها الحروبُ وَ غيرها، الّتي تعرَّضَ وَ لا يزالُ يتعرّضُ لها الشعبُ العراقِيُّ على مدى التَّاريخِ العراقِيِّ برُمَّتهِ، هل هيَ أَحداثٌ حدثت وَ تحدثُ جُزافاً؟!
بمعنىً أَوضَحٍ:
– هَل ما عاناهُ وَ يُعانيهِ العَراقيِّونَ وَ العراقيِّاتُ مِن مُعاناةٍ مُستمرِّةٍ على طولِ تاريخِ العِراقِ وَ حاضِرِهِ، هُوَ ظُلمٌ موجَّهٌ إِليهِم مِنَ الآخَرينَ؟!
– أَمْ أَنَّ هذهِ الْمُعاناةُ هي نتائجٌ طبيعيَّةٌ لسلوكيِّاتِ الطالحينَ وَ الطالحاتِ؟!!
رُبَّ سائلٍ يسأَلُ:
– وَ ما ذنبُ العراقيينَ الصَّالحينَ وَ العراقيِّاتِ الصَّالِحاتِ كَي يتعرَّضوا وَ يتعرَّضنَ للِمُعاناةِ أَيضاً بغضِّ النظرِ عَن شكلِ وَ درجَةِ شِدَّةِ هذهِ الْمُعاناةِ؟
فأَقولُ مُجيباً بما وردَ في القُرآنِ الكريمِ:
– {وَ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ}.
[القُرآن الكريم: سورة هود/ الآية (113)].
وَ أَخطَرُ ركونٍ إِلى الّذينَ ظلموا هُوَ سكوتُ الصَّالحينَ وَ الصَّالحاتِ عَن هذا الظُلمِ وَ مُهادنةُ الظالمينَ أَيَّاً كانوا؛ ارتضاءً مِنَ الصَّالحينَ وَ الصَّالحاتِ أَن يكونوا في أَضعفِ الإِيمانِ لا في أَقواه! استناداً (منهُم وَ منهُنَّ) إِلى آخِرِ كلمتينِ في حديثِ رسولِ اللهِ (عليهِ السَّلامُ وَ روحي لَهُ الفِداءُ)؛ إِذ قالَ:
– "مَن رأَى مِنكُم مُنكَراً فليُغَيِّرُهُ بيدهِ، فإِن لَم يستَطِع فبلسانهِ، فإِن لَم يستطِع فبقلبهِ، وَ ذلكَ أَضعَفُ الإِيمانِ".
[رواهُ الإِمامُ مُسلمٌ في صحيحهِ رضيَ اللهُ عنهُ وَ أَرضاهُ، وَ هُوَ حديثٌ مُتَّفقٌ عليهِ].
ناسينَ وَ ناسياتٌ أَو مُتناسينَ وَ مُتناسياتٌ هؤلاءِ الصَّالحِونَ ضُعفاءُ الإِيمانِ وَ الصَّالِحاتُ ضعيفاتُ الإِيمانِ، أَنَّ النبيَّ الصادِقَ الأَمينَ (جدِّيَ الْمُصطفى روحي لَهُ الفِداءُ) قَد قالَها صراحةً:
– "الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ، خَيْرٌ وَ أَحَبُّ إِلى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَ في كُلٍّ خَيْرٌ، احرِص علَى ما يَنفَعُكَ، وَ استَعِن باللَّهِ وَ لَا تَعجَز، وَ إِن أَصَابَكَ شيءٌ، فلا تَقُل لو أَنِّي فَعَلتُ كانَ كَذَا وَ كَذَا، وَ لَكِن قُل قَدَرُ اللهِ وَ ما شَاءَ فَعَلَ، فإنَّ لو تَفتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ".
[رواهُ الإِمامُ مُسلمٌ في صحيحهِ رضيَ اللهُ عنهُ وَ أَرضاهُ].
إِنَّ البُلدانَ قاطبةً أَيَّاً كانت، لَن ترى الاستقرارَ وَ الرَخاءَ، ما لَم يكُنِ الشعبُ فيها مؤمناً إِيماناً راسِخاً بهويِّتهِ الوَطنيَّةِ، على أَساسِ الإِنسانيَّةِ النبيلَةِ الّتي فطرَ اللهُ تعالى عليها الإِنسانَ، وَ لن يكونَ الشَعبُ مؤمِناً بهذهِ الوَطنيَّةِ ما لَم يَكُن عابداً موحِّداً اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ ليسَ عَبداً مُطيعاً لذوي العَمائمِ وَ اللّحى مِن سُفهاءِ الدِّينِ كهنةِ المعابدِ الْمُتأَسلمينَ لا الْمُسلمينَ، أَو مَن حَذا حَذوهَم مِن أَتباعِ وَ أَذيالِ هؤلاءِ الكهنةِ السُفهاءِ، فيكونُ بطاعتهِ لهؤلاءِ السُفهاءِ تاركِاً أَوامرَ النبيِّ الصادقِ الأَمينِ (عليهِ السَّلامُ وَ روحي لَهُ الفِداءُ) وَ مُعرِضاً عَن وصايا الفُقهاءِ الأَبرارِ (رضوانُ اللهِ تعالى عليهِم أَجمعينَ) بوجوبِ عبادَةِ الله الإِلهِ الخالقِ الْحَقِّ لا عبادَة الأَوثانِ وَ الأَصنامِ البشريَّةِ أَيَّاً كانت.
– فهَل تعي الشعوبُ جميعاً أَهميَّةَ الالتزامِ بالوَطنيَّةِ على أَساسِ الْمُواطَنةِ في إِرساءِ الاستقرارِ وَ استجلابِ الرخاءِ إِلى الجميعِ شعباً وَ حكومةً على حَدٍّ سواءٍ؟
– وَ هل يعي الشعبُ العراقِيُّ ضرورةَ التكاتُفِ الإِنسانيِّ فيما بينُهم بعيداً عَنِ الطائفيَّةِ الدِّينيَّةِ وَ التحزُّبيَّةِ السياسيَّةِ في بسطِ الاحترامِ وَ الثقةِ مِن بقيَّةِ البُلدانِ (حكوماتٍ وَ شعوباً) تجاهَهُم مِمَّا يُلزِمُ كُلَّ غَريبٍ عنهُم أَو قريبٍ مِنهُم على عدمِ التدخُّلِ في شؤونِ العراقِ الخاصَّةِ أَيَّاً كانت؟
إِنَّ أَوضاعَ العراقِ وَ مآسيهِ وَ ما عاناهُ وَ يُعانيهِ شعبهُ على مَرِّ تاريخِ بلدِهم وَ حاضرهِ اليومَ، هُوَ عِبرَةٌ لنا جميعاً نحنُ الأُسرَةُ الإِنسانيَّةُ الواحِدَةُ شعوبُ جميعِ البُلدانِ، وَ هيَ شاخِصٌ حَيٌّ بَيِّنٌ يؤكِّدُ لنا بشكلٍ قاطعٍ على الحقائقِ الخمسةِ التالية:
الحقيقةُ الأُولى:
– الحكوماتُ لا دخلَ لها في صناعةِ استقرارِ شعوبها وَ جلبِ الرخاءِ إِليها؛ وَ إِنَّما المسؤولُ الأَوَّلُ وَ الأَخيرُ هُوَ الشعوبُ ذاتُها؛ فهيَ الّتي تأَتي بهذهِ الحكوماتَ، وَ هيَ الّتي تختارُها، وَ هيَ الّتي تقبَلُ بمُقرَّراتها.
الحقيقةُ الثانيةُ:
– الوَلاءاتُ الطائفيَّةُ وَ تعددُ الأَحزابِ السياسيَّةِ هُما آفتانِ خطيرتانِ تنخُرانِ في بناءِ البلدِ (مُجتمَعاً وَ دولةً على حَدٍّ سواءٍ)، على عكسِ الولاءَ للوطنِ الواحدِ على أَساسِ الْمُواطَنةِ الّتي تعتَمِدُ مبدأَ الدِّين للهِ وَ الوطنُ للجميعِ، وَ الالتفافُ حولَ القيادَةِ الحكيمةِ للحكومةِ الْمُنتَخَبَةِ مِن قِبلِ الشعبِ، هيَ أَدواتٌ كَفيلةٌ بترسيخِ الاستقرارِ في جميعِ مفاصلِ الحياةِ.
الحقيقةُ الثالثةُ:
– التمسُّكُ التامُّ بالسُّلوكيِّاتِ الْحَسِنةِ الّتي هيَ محاسِنُ الأَخلاقِ، وَ الابتعادُ الكاملُ عن أَدنى السُّلوكيِّاتِ السيِّئةِ الّتي هيَ مساوئ الأَخلاق، بجعلِ تقوى اللهِ ميزانَ التفاضُلِ بينَ البشرِ كافَّةً؛ هُوَ سَدٌّ مَنيعٌ لجميعِ أَفرادِ الشعبِ عَنِ الإِصابةِ بنتائجِ السلبيِّاتِ أَيَّاً كانت.
الحقيقةُ الرابعةُ:
– انتهاجُ منهجِ الإِسلامِ الأَصيلِ، الّذي هُوَ مَنهَجُ الأَنبياءِ جميعاً (عليهِمُ السَّلامُ وَ روحي لَهُمُ الفِداءُ)، مَنهَجُ الإِنسانيَّةِ النبيلةِ وِفقَ الفِطرةِ السليمةِ الّتي فطرَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ الإِنسانَ عليها؛ بعبادَةِ الله الإِله الخالِق الحَقّ، الّذي هُوَ خالِقُ المخلوقاتِ كُلِّها، بما فيها البشرُ وَ الحَجَرُ وَ الشَجَرُ، وَ الّذي هُوَ سُبحانهُ الْحُبُّ وَ الخيرُ وَ السَّلامُ، وَ ليسَ الْكُرهُ أَوِ الشرُّ أَوِ الْحَربُ، هذا الانتهاجُ هُوَ شَجرَةٌ باسِقَةٌ مِعطاءٌ، تؤتي أُكُلُها الجميعَ دُونَ استثناءٍ.
الحَقيقةُ الخامسةُ:
– أَساسُ وَ أُسُّ التوحيدِ باللهِ الإِلهِ الخالقِ الحقِّ هُوَ تحكيمُ العَقلِ في تحديدِ الطريقِ الصحيحِ، مِن خلالِ الاقتداءِ بالقائدِ الأَوحَدِ وَ الزعيمِ الأَمجد، سيِّدُنا وَ حَبيبُنا النبيُّ الْمُصطفى الصادقُ الأَمينُ (روحي لَهُ الفِداءُ)، بدلاً عَنِ الطاعةِ العمياءِ لذوي العمائمِ وَ اللحى مِن كهنةِ المعابدِ سُفهاءِ الدِّينِ الْمُتأَسلمينَ لا الْمُسلمينَ، وَ مَن حذا حذوهُم مِنَ أَتباعِهم وَ أَذنابهِم المنافقينَ وَ الْمُنافقاتِ، وَ بالتالي: فلا قُدسيَّةَ لموجودٍ إِلَّا الله؛ فهُوَ عَزَّ وَ جَلَّ الْمُقدَّسُ الْمُنزَّهُ عَنِ كُلِّ شَينٍ وَ نقصٍ جُملةً وَ تفصيلاً.
إِنَّ كُلَّ الشُّرفاءِ في قياداتِ حكوماتِ جميع دولِ العالَمِ الحكيمةِ، يقَعُ على عاتِقِهم تفعيلَ هذهِ الحقائقِ الخمسةِ تفعيلاً دائماً على أَرضِ واقعِ شعوبهِم، وَ أَن يوجِدوا الأَدواتَ اللازمةَ وَ السبُلَ الكَفيلةَ لنشرها وَ ترسيخها وَ جعلِها مبادئً ساميةً وَ خطَّاً أَحمراً لا يُسمَحُ بتجاوزها لأَيِّ شخصٍ كانَ، وَ التأَكُّدِ مِن تمسُّكِ أَبناء وَ بنات الْمُجتمعِ الواحدِ بها (شعباً وَ حكومةً)، وَ اجتثاثِ أَيِّ فِكرٍ مُناوئ لها؛ لِتنعَمَ جميعُ بلدانِ العالمِ قاطبةً بالاستقرارِ وَ الرخاء.
فإِلى الشعبِ العراقيِّ، الصَّالِحونَ وَ الصَّالِحاتُ مِنهُ خاصَّةً، أَقولُ:
– كونوا يداً واحِدَةً، قلباً واحِداً، جسداً واحِداً، صوتاً واحِداً، يُعاضِدُ بعضُكُم بعضاً، وَ يُناصِرُ أَحدُكُم الآخَرَ، وَ غيِّروا الْمُنكَرَ بأَيديكم قبلَ أَلسنتِكُم لا بقلبكُم فقَط، أَينما كانَ الْمُنكَرُ هذا، وَ مِمَّن كانَ، وَ أَزيلوا كُلَّ فاسدٍ مِن بينكُم، دُونَ أَن تأَخذكُم في اللهِ لَومَةُ لائمٍ أَبداً، وَ كونوا تابعينَ لوطنِكُم فقَط، في بلدكم الواحد، لا طوائفَ وَ لا أَحزاب، وَ كونوا كالبُنيانِ المرصوصِ يشدُّ بعضُكُم بعضاً؛ لتحصلوا على الحريَّةِ وَ الكرامةِ بإِحقاقِكُم العدالَةَ وَ إِحرازكُم الاستقرارَ وَ مِن ثُمَّ الرخاء، فتكونوا كما يجِبُ أَن تكونوا: شعبَ العراقِ العربيِّ العَظيم، الغيورُ على دِينهِ وَ عِرضهِ وَ أَرضهِ، يا أَهلَ الوِفاقِ وَ العِناق، يا أَهلَ العِراق.
وَ إِلى كافَّةِ الشعوبِ أَقولُ مُرَدِّداً الآيةَ الشَّريفةَ التالية:
– {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَ اخشَوا يَوماً لاَ يَجزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَ لاَ مَولُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيئاً إِنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنيَا وَ لاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}.
[القُرآن الكريم: سورة لُقمان/ الآية (33)].
أَخيراً وَ ليسَ آخِراً أَقولُ ما أَمرَنا بهِ النبيُّ الصادِقُ الأَمينُ جَدِّيَ الْمُصطفى الهاشميُّ (عليهِ السَّلامُ وَ روحي لَهُ الفِداءُ):
– "اللّهُمَّ إِنَّا نعوذُ بكَ مِن أَن نُشرِكَ بكَ شيئاً نعلَمُهُ وَ نستغفِرُكَ لِما لا نعلمُهُ".
وَ الْحَمدُ للهِ حمداً كثيراً كما هُوَ أَهلُهُ على كُلِّ حالٍ مِنَ الأَحوال.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock