مقالات

آنَ لكم أن تمدّوا أرجلكم …

د عمران صبره الجازوي

ثمةَ واقعةٌ حدثت معَ الإمامِ أبي حنيفةَ النعمان – رحمه الله – حيث كان يجلسُ ذاتَ مرةٍ مع تلامذته في المسجد . وكان يمدُّ رجليه بسببِ آلامٍ في الركبةِ قد أصابته . وبينما هو يعطي الدرس مادّاً قدميه إلى الأمام ؛ إذ جاء إلى المجلسِ رجلٌ عليه أماراتُ الوقارِ والحشمةِ . فقد كان يلبسُ ملابسَ بيضاءَ نظيفةً ذو لحيةٍ كثّةٍ عظيمةٍ فجلسَ بينَ تلامذةِ الإمام ، فما كان من أبي حنيفة إلا أن ضمَّ رجليه إلى الخلف ثم طواهما وتربّعَ تربّعَ الأديبِ الجليلِ أمامَ ذلك الشيخِ الوقورِ وقد كان يعطي درساً عن دخولِ وقتِ صلاةِ الفجرِ، وكان التلامذةُ يكتبون ما يقوله الإمامُ ، وكان الشيخُ الوقورُ أو ضيفُ الحلقةِ يراقبهم وينظرُ إليهم من طرفٍ خفيٍ، فقال لأبي حنيفةَ دونَ سابقِ استئذانٍ : يا أباحنيفةَ ، إني سائلك فأجبني ، فشعر أبو حنيفةَ أنه أمامَ سائلٍ ذي علمٍ واسعٍ واطلاعٍ عظيمٍ فقال له : تفضل واسأل . فقال الرجلُ : متى يفطرُ الصائمُ ؟

فظنَّ أبا حنيفةَ أنَّ السؤالَ فيه مكيدةٌ مُعيّنةٌ ، أو نكتةٌ عميقةٌ لا يدركها علمُ أبي حنيفةَ . فأجابه على حذرٍ: يفطرُ إذا غربت الشمسُ . فقال الرجلُ بعدَ إجابةِ أبي حنيفةَ ووجهه ينطقُ بالجدِّ والحزمِ والعجلةِ ، وكأنه وجدَ على أبي حنيفةَ حجةً بالغةً وممسكاً محرجاً : وإذا لم تغرب شمسُ ذلك اليومِ يا أبا حنيفةَ فمتى يُفطرُ الصائم ؟
وبعد أن تكشّفَ الأمرُ ، وظهرَ ما في الصدورِ ، وبان ما وراءَ اللباسِ الوقورِ ، قال أبو حنيفة قولته المشهورةَ التي ذهبت مثلاً ، وقدكُتِبَتْ في طيّاتِ مجلداتِ السِّيَر بماءِ الذهبِ
: آن لأبي حنيفة أن يمدَّ رجليّهِ .
وما أشبه الليلةَ بالبارحةِ ! فهاهم علماؤنا قد ضمّوا أرجلهم إلى الخلفِ متوسّمينَ فيمن يدعوا بفناني العصرِ من مغنين وراقصين ولاعبي الكرة… إلخ – لظروفِ انقلابِ المعاييرِ واختلالِ الموازينِ إذ أحيطَ هؤلاءِ بهالةٍ من التقديرِ والاحترامِ ليسوا لها بأهلٍ – الحشمةَ والوقارَ ، ولكن سرعان ما انكشفت الأمورُ ، وتبيّنَ الصبحُ لذي عينينِ عندما دعا داعي الجهادِ ، واستنفرَ الجنودَّ الحقَّ لمواجهةِ فيروسِ كورونا ، ذلك الفيروسُ الذي أيقظَ البشريةَ من سباتها العميقِ ، وأشعرها بحجمها الضئيلِ برغمِ ما ادعته من تقدمٍ علميٍّ ، وتطورٍ تكنولوجيٍّ ، وبمدى بعدها عن اللهِ – عزَّ وجلَّ – ، وتنكّبها لصراطه المستقيمِ ، فلم نجدْ إلا المخلصين من علماءِ الدينِ الذين صحّحوا عقيدةَ الناسَ ، وأفهموهم أن هذه رسالةٌ من اللهِ ؛ ليعودوا إلى حظيرته ، وربَّ ضارةٍ نافعةٌ ، كما جعلوهم يوقنون بأنَّ ما أصابهم لم ليخطئهم ، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم ، وأنَّه لن يصيبنا إلا ما كتبَ اللهُ لنا ، وأنَّ هذا الوباءَ بلاءٌ ، وما نزل بلاءٌ إلا بذنبٍ ، وما رُفعَ إلا بتوبةٍ … إلخ ، الأمرُ الذي ساعدَ على تسكينِ الجأشِ ، ومواجهةِ البلاءِ بنفوسٍ مطمئنةٍ ، وقلوبٍ واثقةٍ في ربها ، وكونه لا يقدّرُ لعباده إلا خيراً .

وانبرى الأطباءُ ومساعدوهم من الممرضين والممرضاتِ ، وكل من ينتظمُ في سلكِهم ، وينسجُ على منوالهم ، مشكّلين خطاً دفاعياً في مواجهةِ هذا العدو الذي داهمنا على حينِ غفلةٍ ، يقاتلون باستماتةٍ ، مفتدينَ الشعوبَ بأرواحهم ، ومنهم من قضى نحبه في سبيلِ ذلك ، ولم يولّوه ظهورهم فارّينَ من أمامه ، بل أبلوا – وما زالوا – بلاءً حسناً ، فجزاهم اللهُ عنّا خيراً .
وانطلقت قواتنا المسلحةُ ؛ لتؤدي دورها المنوطَ بها ، مقدّرين عِظمَ المسئوليةِ الملقاةِ على عواتقهم تجاهَ الشعوبَ ، وكانوا أهلاً لتحملّها ، فهم حماةُ الثغورِ الذين يقفون لأعدائنا الذين يتربّصون بنا الدوائرَ ، ويقطعونَ أيدي كلَّ من تسوّلُ له نفسه أن يمدّها إلينا بأذىً ، ولم يقفْ دورهم عند هذا الحدَّ بل مدّوا يدَّ العونَ لإخوانهم من المواطنينَ الذين يؤمّلون فيهم خيراً ، فباركَ اللهُ لنا فيهم ، وحفظهم بحفظه ، وكلأهم برعايته .

كما قامَ رجالُ الشرطةِ الشرفاءِ باتخاذِ الاجراءاتِ الاحترازيةِ ، والتدابيرِ الوقائيةِ الأمنيةِ التي من شأنها أن تحدَّ من انتشارِ هذا الوباءِ ، حفاظاً على أرواحِ المواطنين ، مواصلينَ في سبيل ذلك الليلَ بالنهارِ ، لا يعبأون بأنفسهم بقدرِ ما يعبأون بغيرهم ، فنسألُ اللهَ لهم العونَ والتأييدَ ، والحفظَ والتسديدَ .

فشكراً لكلِ هؤلاءِ من رجالنا الشرفاءِ ، وشكراً لكلِ من كان على شاكلتهم ، ومدَّ يدَّ العونِ ، وأعطى ولم يضنّْ ، وجادَ ولم يمنّْ ، ولكلِ هؤلاءِ أقولُ كما قال أبو حنيفةَ لمن ظنّه عالماً :
آن لكم أن تمدّوا أرجلكم ، وآن لأمتكم أن تعرفَ أقداركم ، وأن تضعكم أوسمةَ فخرٍ على صدورهم ، وأن ينزلوكم منازلكم اللائقةَ بكم ، وأن ينحّوا من فرَّ من الميدانِ من الفنانين والفناناتِ ، والراقصينَ والراقصاتِ ، ولاعبي الكرةِ ، وأن يستشعروا قولَ اللهِ – عزَّ وجلَّ – : { فأما الزبدُ فيذهبُ جفاءً وأما ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرضِ … } سورة الرعد آية/17 ، وكفاكم أنكم أنتم ما ينفعُ الناسَ ، وأما غيركم زبدٌ يذهبُ جفاءً ، لا يُرجى له نفعٌ ، ولا يُنتظرُ منه فائدةٌ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock