مقالات

الجاهُ المُزكَّى

د عمران صبره الجازوي

إنَّ من أعظمِ النعمِ التي يمتنُّ اللهُ بها على العبدِ نعمةُ الجاهِ والمنصبِ ، تلك النعمةُ التي تجعلُ من صاحبها مصونَ الجانبَ كونه ذا منعةٍ ، أو يؤوي إلى ركنٍ شديدٍ ، وهذه النعمةُ تستوجبُ – شأنها كشأنِ بقيّةِ النعمِ الإلهيةِ – الشكرَ ، والذي يكونُ باستخدامها في طاعةِ اللهِ من نصرةِ مظلومٍ ، أو إغاثةِ ملهوفٍ ، أو تنفيسِ كربةٍ لمكروبٍ ، أو قضاءِ حاجةٍ لمحتاجٍ … إلخ . وعندئذٍ يكون صاحبها قد أدّى زكاتها ، وأخرجَ حقَّ اللهِ فيها ، جاء رجلٌ إلى الحسنِ بنِ سهلٍ يستشفعُ به في حاجةٍ ، فقضاها ، فأقبلَ الرجلُ يشكرُ ، فقال الحسنُ : علامَ تشكرنا ؟ ونحن نرى أن للجاهِ زكاةً كما أنَّ للمالِ زكاةً ، ثم أنشأ يقولُ :

فُرضتْ عليَّ زكاةُ ما ملكتْ يدي
وزكاةُ جاهي أن أعينَ وأشفعا

وللهِ درُّ الشافعي – رحمه اللهُ – حينما قال :

وأدِّ زكاةَ الجاهِ واعلمْ بأنَّها

كمثلِ زكاةِ المالِ تمَّ نصابها

والمتأملُ في المُنعمِ عليهم بنعمةِ الجاهِ ليجدهم أصنافاً ثلاثة ، أولها : معترفٌ بنعمةِ اللهِ عليه ، مؤدٍ لزكاتها ، طالباً ما عندَ اللهِ ، مؤثراً لآخرته على دنياه ، واضعاً نُصبَ عينيه قولَ رسولنا – ﷺ – : ” … ولأن أمشي مع أخٍ في حاجةٍ أحبُّ إليَّ من أن أعتكفَ في هذا المسجدِ – يعني مسجدَ المدينةِ – شهراً …” رواه ابنُ أبي الدنيا في كتابِ قضاءِ الحوائجِ .
وهذا الصنفُ يزيدهم اللهُ جاهاً إلى جاههم ، ويمتنُّ عليهم برفعةٍ إلى رفعتهم ، قال تعالى : { لئن شكرتم لأزيدنكم … } سورة إبراهيم آية- 7 ، ويضعُ لهم القبولَ والمحبّةَ في قلوبِ من يشفعون لهم من أصحابِ الحوائجِ ، ومن يشفعون عندهم من ولاةِ الأمورِ ، هؤلاءِ لجبرِ خواطرهم ، وقضاءِ حوائجهم ، وهؤلاءِ لإعانتهم على الخيرِ ، وتذكيرهم بما يتوجبُ عليهم تجاهَ رعيتهم .
ثانيها : مؤثرٌ لنفسه ، مقصرٌ لهذه النعمةِ عليها فلا تتعداها إلى غيرها ، مرتئياً أنَّ في بذلها للناسِ امتهاناً له وضعةً ، وأنَّ تبسّطه للناسِ ، وقضاءه لحوائجهم ينقصُ من قدره ، وهذا إن دلَّ فإنَّما يدلُّ على جهله بما أوجبه عليه ربّه ، وكفره بنعمته ، وبهذا يكون قد أردى نفسه وأهلكها بما يظنُّ بأنَّ فيه سلامتها ، ووضعها من حيثُ يعتقدُ رفعتها .
بالإضافةِ إلى أنّه قد يعرّضُ نعمته للزوالِ – عياذاً باللهِ – ، جاء عن ابنِ عباسِ – رضي اللهُ عنهما – قالَ : قالَ رسولُ اللهِ – ﷺ – : ” ما من عبدٍ أنعمَ اللهُ عليه نعمةً فأسبغها عليه ، ثم جعلَ شيئاً من حوائجِ الناسِ إليه فتبرّمَ ، فقد عرّضَ تلك النعمةِ للزوالِ ” رواه الخرائطي في مكارمِ الأخلاقِ .
ثالثها : ظالمٌ لنفسه ، مغرورٌ لا يعترفُ للهِ بفضلٍ ، ولا لخلقه بحقوقٍ ، مفتونٌ يظنُّ أنَّه قد وصلَ إلى ما وصلَ إليه بعلمهِ دونما توفيقٍ من اللهِ ، وهؤلاءِ يشملهم قوله تعالى: { فإذا مسَّ الإنسانَ ضرٌّ دعانا ثمَّ إذا خوّلناه نعمةً منّا قالَ إنمّا أوتيته على علمٍ بل هي فتنةٌ ولكن أكثرهم لا يعلمون } سورة الزمر آية -49 ، وهؤلاء لا يرقبون في مؤمنٍ إلّاً ولا ذمةً ، يسخّرون جاههم لأهوائهم ، ويتسلّطون على الخلقِ ، ولا يتحرجونَ من قبولِ رشوةٍ ، أو هضمٍ لحقوقِ الناسِ ، وبخسهم أشياءهم ، وهؤلاءِ أشدُّ الناسِ صراخاً يومَ القيامةِ ، فلقد سئلَ الحسنُ البصري : من أشدُّ الناسِ صراخاً يوم القيامةِ ؟
، فقالَ : رجلٌ رُزقَ نعمةً فاستعانَ بها على معصيةِ الله .

فيا كلَّ صاحبِ جاهٍ تأملْ ، واخترْ لنفسك صنفاً تنتظمُ في سلكه ، وتكونُ في عِداده ، واعلمْ بأنَّك موقوفٌ أمامَ اللهِ – عزَّ وجلَّ – وسائلك عمّا أنعمَ عليك ، وأسدى إليك ، فهل أعددتَ للسؤالِ جواباً ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock