مقالات

رمضان والفتح الأعظم

د. عصام الهادى

نعلم جميعا أن شهر رمضان هو شهر حقّق الله عز وجل فيه الانتصارات والفتوحات للمسلمين عبر الأزمنة السابقة حتى وقتنا هذا، وذلك منذ عهد النبى صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء والصحابة والتابعين حتى الانتصار العظيم الذى حققه رجال قواتنا المسلحة البواسل فى العاشر من رمضان (حرب أكتوبر المجيدة).

ارتبط شهر رمضان بالجهاد وقويت فيه شوكة المؤمنين، وكان من هذه الانتصارات والفتوحات الطيبة التى أرست دعائم الأمن فى الأمة الإسلامية فتح مكة وهو مايسمى بالفتح الأعظم أو الفتح الأكبر وذلك فى ٢٠من شهر رمضان فى السنة الثامنة للهجرة، هذا الفتح العظيم الذى أيّد الله عز وجل به حبيبه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكان الفتح هو نقطة التحول الكبرى لمسيرة الإسلام حيث خرج النبى صلى الله عليه وسلم على رأس جيش من المسلمين من المهاجرين والأنصار متوجهين جميعا إلى مكة بعد نقض قريش لصلح الحديبية، دخل النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة فاتحا فى عزة ومنعة، دخلها على راحلته متواضعا خاشعا خاضعا لربه، واثقا بنصره ومدده، حامدا وراضيا بقضائه وقدره.

وصل الكعبة المشرّفة وطاف حولها بكل حب ووقار وإخلاص، استلم الحجر الأسود وقبّله، حطّم الأصنام التى كانت تعبد من دون الله وهو يتلو قول الله عز وجل: “وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً”، وكان عددها ٣٦٠صنما، وأمر أصحابه أن يطهروا البيت الحرام من الأصنام، ولما حانت الصلاة أمر بلال بن رباح أن يصعد الكعبة ويؤذن، فكبّر الصحابة وهللوا وصلى النبى صلى الله عليه وسلم، ثم خرج على الناس ليعلن عن جمال أخلاقه وكمال أدبه وروعة شخصيته، خرج ليعلن العفو والسماح عن أناس قد آذوه، وتعرضوا له بالسخرية والإهانة، ومن هنا كانت نقطة التحول الحقيقية لمسيرة الإسلام حيث دخل الناس فى دين الله أفواجا.
وقف النبى صلى الله عليه وسلم فى عزة وإباء متحدثا مع هؤلاء قائلا:”يامعشر قريش ماترون أنى فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم. قال صلى الله عليه وسلم: “فإنى أقول لكم كما قال يوسف لإخوانه” لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين”. اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

وفى هذا الفتح الأعظم تتجلى لنا حكمة النبى صلى الله عليه وسلم وخلقه الجمّ الذى ينبئ عن نبى هو حقا نبى الرحمة نبى التسامح نبى العفو نبى بعثه الله عز وجل رحمة لجميع البشر “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ”.

لم يروع آمنا أويفزع ضعيفا أويهتك حرمة أو يقطع شجرة أو يحرق منزلا أو يتلف زرعا أو يؤذى أحدا ولو بالكلمة، فليس ذلك هو منهج النبى صلى الله عليه وسلم فى الدعوة كما يدّعى أهل الكفر والإلحاد وغيرهم من أذناب العلمانية.

من هنا ومن خلال هذا الخلق الكريم المتمثل فى شخصية النبى صلى الله عليه وسلم بايعه الرجال والنساء من أهل مكة على السمع والطاعة، ثم أقام هو وأصحابه عدة أيام فى مكة يرتب أوضاعها وينظم أحوالها ويعلّم أهلها مبادئ الإسلام والقرآن، ويرشد الناس إلى الهدى والحق وترك عبادة الأصنام، وأرسل الوفود لنشر الدعوة فى ربوع الجزيرة العربية، ومنذ هذا الوقت أصبحت مكة حرما آمنا وتحولت من معقل للشرك وعبادة الأوثان إلى مركز دعوة وطاعة لعبادة الواحد الديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock