مقالات

ليالي الوجعِ …

د عمران صبره الجازوي

إنَّ من الثابت والمقرّرِ أن الأيام والليالي واحدةٌ لا تتغيرُ ولا تتبدّلُ ، وإنما تتمايز باعتبارِ أوصافها وما يحدثُ فيها ، فنصفها بالسعيدةِ مثلاً إذا ما ارتبطت بذكرياتٍ أو بأحداثٍ جميلةٍ ، ونصفها بالحزينةِ إذا ما ارتبطت بذكرياتٍ مؤلمةٍ ، أو بأحداثٍ محزنةٍ … وهكذا إلخ هذه الأوصاف ، والإنسانُ في حياته عرضةٌ لهذه وتلك ، وما ذلك لشيءٍ إلا لأنه في دنيا تجمعُ بين الأشياءِ وأضدادها بين الفرح والحزنِ ، بين السعادةِ والشقاءِ ، بين الراحةِ والتعبِ …. إلخ .

ومن لطفِ الله – سبحانه وتعالى – بالإنسانِ أن هذه الأيام وتلك الليالي بحلوها ومرّها تمرُّ وتنقضي ، وإن بقي لها في النفسِ أثرٌ ، ولكن ثمة ليالٍ تخالفُ نواميسَ أخواتها ، وهي ليالي الوجعِ – أعاذني الله وإياكم – فما وجدتُ – عن تجربةٍ – أطول منها ، ولا أبطأ منها ؛ لشعورك بشدة الألم ، فهي تفوقُ السلحفاءَ في البطءِ، وكأنَّ عقاربَ الساعةِ فيها قد توقفت ، وتتباعدُ المسافةُ بينك وبين طلوعِ الفجرِ وكأنها بعدُ المشرقينِ ، بالإضافة إلى ما يأتيك في المنامِ – على افتراضِ النومِ – من أضغاثِ الأحلامِ ، ونجوى الشيطانِ ليحزنك ، ولا تسقط من حساباتك شعورك بالوحدة ، وبذلك تكون قد جمعت في لياليك هذه أموراً ، لو طال اجتماعها عليك لأهلكتك ، ألا وهي المرض والحزن والوحدة ، ولكن ما يثبّت فؤادك ، ويهوّنُ عليك ما أنت فيه تلك المنحة التي تحملها في طياتها هذه المحنةُ ، ألا وهي أنك في حساباتِ اللهِ لم يسقطك ، وأنه ما أراد بك إلا الخيرَ كما قال رسوله – صلى الله عليه وسلم -: ” من يرد الله به خيراً يُصب منه ” ، وأنه ما زال يحبك ؛ لذا يبتليك ، شردت وابتعدت عنه فأصاب منك ليدنيك ، وأسلمت زمام أمرك لهوى نفسك فأراد أن يحميك ، سبحانك ربي ما أرحمك ! ابتلاؤك إما أن يكون تكفيراً للسيئاتِ ، أو رفعةً للدرجاتِ ، وهذا ما يجعل من الألمِ أملاً ، ومن الداءِ دواءً ، لمن يتحلى بالصبرِ ، ويكونُ عن الجزعِ ، وشكوى الخالقِ للخلقِ بمعزلِ ، وعندئذٍ يُوفّى أجره بغير حسابِ ، جعلني اللهُ وإياكم منهم ، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock