اخبارديندين

مشاهد في الهجرة النبوية الشريفة

مشاهد في الهجرة النبوية الشريفة
د. عبدالعزيز آدم
عضو الاتحاد العالمي للصحة النفسية

(١)
في قبيلة من قبائل شبه جزيرة العرب بعد أن ظهر النور والأمل الذي كان نبراسا وأملا للخروج من ظلمة الجاهلية إلى النور الذي أحيا قلوبا ميتا وأسمع آذانا صما ورد البصيرة في أعين عميا. ولكن أبت دعوى الجاهلية إلا أن تكيد عبثا للوقف حائلا دون استشراق هذا النور الشريف، ولكن أبى الله إلا أم يتم نوره فيدحض كيدهم ليعم نور دينه شبه جزيرة العرب بأكملها ومنها إلى جميع أنحاء البسيطة.
هذا مشهد يجتمع فيه أهل الشرك عبثا تحت راية الشيطان وقد زين لهم أعمالهم جهلا ولَم يفطنوا إلى أن كيد الشيطان كان ضعيفا، وأن نور الهدى قد سطع ولن يأفل وسيظل إلى قيام الساعة سراطا مستقيما في أفئدة من اهتدو إليه إسلاما وسلاما سلاما، وحجة على من زاغت قلوبهم فزاغوا وأزاغوا من استضعفوهم من ضعاف القلوب والأنفس.
من حكمة الله جل وعلا أن اجتماعهم كان متأخرا عن أوانه عبثا وجاهلية، لأنه هدى نوره مبعوث بلا حجاب للناس رحمة من رب الناس. أجمعوا بينهم أمرهم وكان الشيطان وليهم وقائدهم وخلصوا إلى أن تكون ضربة رجل واحد تغتال النور الذي سطع بلا خفوت أو غياب، يضحكون بكل غلظة ورضى لما أجمعوا أمرهم عليه. ولكن هيهات هيهات أن تطفأ ظلمة الجاهلين نور الحق المبعوث رحمة ورفعة ونورا إلى العباد. ينتهى المشهد بضحكات صاخبة من قلوب عميت أملا في نصر لن يكون.

(٢)
في بيت الحبيب وقد اختار الصبى البطل وأبن العم على كرم الله وجهه، اختار الفداء ليعطي درسا تتناقله الأجيال في المعنى الحقيقي لرجولة الصبى وفداء اليقين والجرأة في الدفاع عن الحق ولو كان مرا، في وجه الظلم مهما كان عاتيا. أي صبي بل أي رجل هذا وأي فداء ونبل ويقين.
وهنا ترى الحبيب صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بيقين الصادق الموقن في نصر ربه يخرج على جمع كبير من قلوب عميت أتت لتنال من مقام ما ينبغي لها حتى أن تناله ونور أبعد ما يكون عن قلوبهم. تلى قول ربه عز وجل يقينا في نصره “وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ” ما كان خائفا أو مهتزا يقينا وصدقا، بل ولطخ عمائمهم بالتراب لعلهم يعقلون أو يفطنون.
ويفيقون غير عابئين بغفوهتهم المفاجئة أو حتى سائلين عن هذا التراب الذي لطخ عمائمهم عارا وذلة. ويدخلون على الفتى الرجل ولكن بعد فوات الأوان، وقد نجى الله الحبيب من كيدهم، وينتهي المشهد بحسرة من كانوا يضحكون بالأمس جهلا وظلما وعجرفة أذلها تراب العار والخسة.

(٣)
يمضي الحبيب مع صاحبه الصديق، الذي صدق الرسالة ونصر الحبيب. تكتمل المسيرة والهجرة سرا، ليس خوفا من بطش جبارين اهون ما يكون على الله تدميرهم بتدبيرهم، ولكن لتكون الهجرة سرا هى السنة فلا يكون في ذلك مشقة على المسلمين المستضعفين في مهد الرسالة الشريفة. يمضي الحبيب صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ويأوى الى غار ثور، وبهذا تكون قد بدأت رسالته صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم من غار (غار حراء) وحفظه الله سبحانه في غار إلى أن يعم نور رسالته كل البسيطة. هكذا هى أقدار الله تعالى، وهكذا يكون الفرج بعد الضيق.
يهتز الصديق قليلا ليس خوف على حياته وذاته وإنما خوفا على صاحبه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فما أهون نفس أبو بكر على أبي بكر ولا يشاك حبيبه شوكه، فهو الحبيب وهو النور المجتبي.
وهنا يجيبه الحبيب بكلمات مقتضبة ولكن تحمل معنى الصدق واليقين في أحلك اللحظات وأشدها صعوبة، يجيب بيقين نصر الله الراسخ في قلبه الشريف “لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا” وينتهي المشهد وقد ورد الله الذين كفروا لم ينالوا إلا الحسرة والخيبة ومضي الحبيب صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وصاحبه ليكمل بثبات ونصر هجرته الشريفة.

(٤)
مشهد النهاية للهجرة الشريفة، وقد انفطرت قلوب أهل المدينة المنورة من الأنصار، شوقا إلى حبيبهم انتظارا وانتصارا لدين الله ونوره الحق. وبعد الشوق يظهر الحبيب وصاحبه في الأفق لترتعش القلوب والأجساد وتدمع الاعين فرحا بقدومه، إنها رحمة الله وضعها سبحانه في قلوبهم نصرة لعبده وشرفا لهم “اللهم أرضى عن الأنصار والمهاجرة”. ويستمر المشهد المبكي فرحا في استقبال الحبيب صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم والحشود المشتاقه إلى لقائه إعلانا لقيام أول لبنات انتشار نور الأسلام. ويبدأ الأنصار في الإنشاد بأصوات أجهشت بالبكاء متنظمة في شوق إجلال للموقف المهيب وقد ملأ النور قلوبهم فرحا بقدوم حبيبهم؛
“طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعى لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع”.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock