اخبارتعليمتقاريرمقالات

الاستقراء ودراسة اللغة العربية

الاستقراء ودراسة اللغة العربية
بقلم //    أ.د. محمد السعيد عبد المؤمن
لقد رسمت الدراسات التقليدية للغة العربية صورة لا تتفق مع طبيعتها، حيث يبدو فيها العنت والمشقة، وسوء الاستيعاب، والصعوبة والتعقيد، رغم مجاهدة بعض محبي اللغة العربية في إضفاء الشاعرية عليها، الدراسة التقليدية لم تعد صالحة لدراسة اللغة العربية التي تتعامل مع العصور والبيئات من الدنيا إلى الآخرة، حيث تسجنها وتأسرها في أنماط قواعدية عفا عليها الزمن، فلقد كان من الحمق الرجوع للشعر الجاهلي من أجل تثبيت قواعد اللغة العربية، في حين أن عرب الجاهلية لم يسجلوا قواعدها، فهم رغم أميتهم كانوا يصححون من يخطئ في قواعد اللغة عندما يتلو القرآن، ومنهم صحابة رسول الله عليه وعليهم السلام. ومن ثم كان معظم من اهتموا بتدوين قواعد اللغة العربية من غير العرب، لأن هذا هو الطريق الذي وجدوه لاستيعاب اللغة، والتمكن من التعامل بها.
اللغة العربية حمالة أوجه، بل حمالة ما لا تستطيعه أية لغة أخرى من أوجه، وهي بحملها روحا ونورا من عند الله فرضت على عرب الجاهلية تقديسها، وكتابة كلام وشعر من أحسن إليها بماء الذهب، وتعليقه على أستار الكعبة، فإذا كان هذا التقديس للغة في الجاهلية وإعجاز إلهي بقرآن من نفس اللغة، يضيف تقديسا على تقديس، فهذا يوضح إمكانية تخطيها التقليدية في دراستها، تعلمها وتدريسها، بل وحفظ محتواها، فكان بديهيا أن يؤكد الله سبحانه على حفظ الذكر في ثوب قرآن منزل من السماء. ومن ثم فهي حقل خصب للاستقراء، لكن هذا الحقل ليس مطلقا، فكفاءة اللغة العربية ضمنية ولكنها واعية، حيث تتقيد بأساسين عظيمين اختارهما الله سبحانه لها، أحدهما القومية والآخر الدين، فعندما نزل القرآن باللغة العربية، كان حجة على أصحاب القومية العربية، حيث توغل في قوميتهم، إذ تعامل مع اللغة بكل ما اتسعت به بلاغتها، وما قدمته من عناصر الحضارة، وما انطبع عليها من الشخصية القومية والهوية الوطنية والعرق، والثقافة المجتمعية، والعادات والتقاليد الموروثة، واختلاف اللهجات، فنفذ إلى كل هذه الحقول وربطها به.
اللغة العربية إلهية الفكر، تتجاوز سجن المفاهيم، لا تحدها العلاقات والاختلافات التي تقيد التفكير والإدراك، أو تمنع توسع الخيال، من ثم فإنه مع نزول القرآن الكريم باللغة العربية كان عبثا أن يرجع علماء الدين واللغة إلى تراث العربية في الجاهلية، فكما أن القرآن قد أفحم عرب الجاهلية في لغتهم وثقافتهم وقوميتهم، فقد تفوق عليهم في قراءاتهم، وقواعد لغتهم ودقيق هذه اللغة، وهذه الثقافة القومية، بل إن القرآن الكريم فضلا عن أنه يمكن قراءته بسبع قراءات تمثل كيفية القراءة بين العرب، فقد بدأ في تفاعله مع اللغة العربية من حروف الكتابة، حيث بدأ كثيرا من السور بحروف لا معنى لها، اختلف المجتهدون في تفسيرها، فمنها ما بدأ بحرف واحد، ومنها ما بدأ بحرفين، ومنها ما بدأ بثلاثة، حتى خمسة أحرف، والوقوف عند العدد خمسة أقل من عدد القراءات السبع التي تتحدث بها القبائل العربية، ومن ثم فلا علاقة بينهما إلا أن يدلل القرآن علي ضبطه للغة العربية في أحرفها وقراءاتها، في قواعدها، نحوها وصرفها، وتوسعته للغة في معانيها، وأبعادها. فقد أشار إلى أن كلمات الله لا تنفد، ولو كتبت من شجرة أقلام وسبعة أبحر من المداد. فالغاية من اللغة أن تعبر عن معاني كل الأشياء، من ثم ضرب الله في هذه السور المحدودة بالعدد ١١٤من كل مثل يدركه العرب.
استقراء اللغة العربية ضروري لأنه مع كونها إحدى لغات المجموعة السامية، إلا أنها تتميز عنها بطبيعتها التي اكتسبتها بنزول الوحي بها. كما منحتها عدة مشخصات، أهمها:
أولا: تمتعها باتساع سطح الكلمة، ومن ثم باتساع سطح المدلول، وتعدد استعمالاته مع تعدد الإيحاءات الناتجة عن طريقة استخدام الكلمة.
ثانيا: تمتعها باتساع الحجم الاشتقاقي المهيأ ليكون نبعا داخليا فياضا دائما بما يسمح بالتجديد الدائم للقاموس اللغوي.
ثالثا: تمتعها بجمال الموسيقى الداخلية على مستوى الكلمة والعبارة بما يدلل الأذن، ويعدها لاستقبال التغير المطلوب للحركة الدائبة في مسيرة اللغة.
رابعا: تمتعها بالروح الروائية والخيال الذي يسمح بوجود استعداد هائل لحمل كل أنواع المعاني والمفاهيم الناتجة عن امتداد التراث الثقافي إلى تاريخ بعيد. وشجع على التعبير الشعبي وحفظه وتأصيله، وتوفير السبل لتداوله والاستفادة منه.
إذا كان الاستقراء يتحقق من خلال خمس خطوات علمية، هي: الوصف، ثم التحليل، ثم النقد، ثم الاستنتاج، وأخيرا الاستقراء. فإن دراسة اللغة العربية من خلال هذا المنهج يستتبع وضع خطة علمية للدراسة، تخرج على القوالب الجامدة للخطط العلمية حسب حجم الدراسة، ولعل تقسيم الموضوع من خلال مباحث هو أقرب لطبيعة الدراسات المعاصرة والمستقبلية، مع استخدام الأسلوب العلمي دائما، ومراعاة كافة شروط البحث العلمي، ومن ثم لا بد أن تختم الدراسة برؤية قد تبلورت خلال الدراسة لا قبلها.
توضع خطة الدراسة الاستقرائية على أساس عنصرين رئيسيين أولهما المعاني والمفاهيم والأبعاد، وثانيهما القواعد وأسلوب التعبير، ومن خلال ذلك يمكن استقراء معان كثيرة من تعبير محدود. من الضروري في استقراء اللغة العربية أن ندرك أن القومية لها ثوابت ثقافية تأصلت من خلال شخصيتها التاريخية، ولاشك أنها لا تقنع بأن تقدم قوالب منفصلة حول ألفاظ اللغة والتاريخ والحضارة والأدب، بل تعمل على تكميل صورتها العامة مع الاستقراء، وصولا إلى الخطاب اللغوي، ثم الخطاب في كافة مجالات النشاط البشري. وأن يتخذ رؤية علمية واضحة من خلال الهدف، الذي يتمثل في توضيح وتمجيد إنجازات هذه القومية.
مباحث دراسة اللغة العربية:
المبحث الأول: حول الأحرف وارتباطها بالنطق. وقواعد الصوتيات في اللغة، وقدر الناشز في اللحن أو المتنافر مع موسيقى اللغة. حيث يدخل أسلوب نطق الأحرف والكلمات عاملا في تنوع المعاني، وربما اختلافها، واقترانها بسلوك المتحدث خلال الخطاب.
المبحث الثاني: الألفاظ وعلاقتها بالمدلول وتغيراته، لأن تقادمها يعني إنسلاخ الألفاظ عن معناها الأول إلى معنى آخر، أو إكتساب المعنى لفظا ليس كاللفظ السابق، حيث يبدو المجاز فعالا في خلق ساحة واسعة من المعاني، فضلا عن طريق الربط بالتشبيه، أو بحذف جزء من الكلمة أو إضافة آخر. وتنقسم إلى نوعين: النوع الأول هو الكلمات التاريخية، وهى تترك حيث تتعلق بزمن معين وظروف معينة واحتياجات محدودة، كانت تعبر عنها فى الماضي. والنوع الثاني هو الكلمات التى يستثقلها الذوق العام، وخاصة الألفاظ المحرمة والسباب القبيح.
المبحث الثالث: المصطلحات مدلولها ونسقها، وما تعبر عنه من أشياء استحدثت فى المجتمع نتيجة التطور، وتفي بمعانيها. أما المصطلح الشعبي باعتباره خطاباً خارجاً عن سياق المؤسسة الرسمية، والمعايير الشرعية السياسية، إضافة إلى أنه يفتقد الكثير من شروط إنتاجه، فهو يمارس كافة حقوقه الشرعية في المجتمع، من ثم تقوم الدراسة الاستقرائية بمعالجته.
أما المصطلح السياسي فيحتاج إلى عملية تأويله وتحليله، واختلاف آليات فهمه وإدراكه، وبالأحرى تباين التوجهات الأيديولوجية، وتقوم الدراسة الاستقرائية بمعالجة هذه الاحتياجات.
المبحث الرابع: الجملة وتكويناتها القواعدية، وسياق العبارات، في إطار النص، فضلا أبعادها ومدلولاتها الحضارية.
المبحث الخامس: تعريب المنقول من اللغات الأجنبية، وهو نتيجة ملزمة الدراسة لطبيعة إحتكاك الشعوب ونقل للخبرات، والرغبة فى مجاراة التقدم. وضرورة جعل المنقول يلائم طبيعة النطق وسهولة الإستعمال، فضلا عن التعامل مع الدلالات، والتأكيد على أن العربية لغة قوية وقادرة، على إستيعاب الألفاظ الأجنبية وتطويعها وفقا لقواعدها.
المبحث السادس: حول الخلفيات الثقافية والدينية والحضارية للغة، ومنها: الشخصية القومية والهوية الوطنية، ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم، النظرية اللغوية، الدور الحضاري للغة العربية، الخطاب الثقافي والحضاري والديني والسياسي، ارتباط الثقافة المجتمعية بلغة الحوار، فلسفة الانتقاء والتصنيع في لغة الشعر.
أصدقائي أصحاب اللغة العربية صدقوني إنكم تستطيعون إخراج اللغة من بئر التسيب، وقيعان التقعر إلى نور الحياة الفاعلة الخلاقة من خلال دراسة اللغة المقدسة بالمنهج الإلهي، وهو الاستقراء، فتصبح روحا ونورا من عند الله القدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock