مقالات

فى طريق الايمان ومع غزوة خيبر (الجزء الخامس

كتب ا/ محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء الخامس من غزوة خيبر وقد توقفنا مع جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال ” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم خيبر عن لحوم الحُمر الأهلية ورخص فى الخيل ” وأيضا من الدروس هو تحريم وطء السبايا قبل استبراء الرحم، وكان هذا التحريم للسبايا غير الحوامل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يأتى سبيا من السبى حتى يستبرئها ” والاستبراء هو أن تطهر المرأة في حيضة واحدة فقط، ولا تعتد، لأن العدة لا تجوز على الزوج الكافر، وقد ذكرنا إن الجديد في تلك الغزوة وما يختلف عن الغزوات السابقة، هي حصون اليهود وقلاعهم التي أقاموا بها، فمحاولة الهجوم عليهم تتطلب جهدا ضخما وتعبئة مناسبة ومؤونة كافية للجيش لفترة طويلة، والمسلمون لا يملكون هذه الطاقات في مقابل اليهود الذي قيل عنهم وهم أهل الحصون التي لا ترام، وسلاح وطعام كثير.

ولو حصروا لسنين لكفاهم، وماء متوفر يشربونه في حصونهم وما أرى لأحد بهم من طاقة، كما أن المسلمون لم يسبق لهم من قبل خبرة في قتال أهل الحصون إلا ما كان من بني قريظة يوم حربهم، وإن هذه الغزوة توضح معلما عاما لخطة النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، لتوحيد جزيرة العرب تحت راية الإسلام، وتحويلها إلى قاعدة لنشر الإسلام في العالمين، فقد خطط النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ألا يسير إلى مكة إلا بعد أن يكون قد مهد شمال الحجاز إلى حدود الشام، وأن تكون الخطوة الأخيرة هي الاستيلاء على خيبر وغيرها من المراكز اليهودية شمال الحجاز وخاصة خيبر وفدك ووادي القرى، ليحرم القبائل المحيطة به من أي مركز يمكن أن يعتمدوا عليه في مهاجمة الدولة الإسلامية الناشئة، وقد فتح الله تعالى على رسوله أول الحصون حصن ناعم، ثم فتح بعده حصن القَموص، ثم جعل النبي صلى الله عليه وسلم.

يفتح حصون خيبر واحدا تلو الآخر، وكلما فتح حصنا يهرب شراذم اليهود إلى الحصن الذي يليه، حتى انتهى إلى آخر حصونهم الوطيح والسلاَلم، فحاصرهم حصارا شديدا، حتى إذا أيقنوا بالهلكة ورأوا أن الدائرة عليهم، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم وأن يسيرهم ففعل، ثم سألوه أن يبقيهم على زراعة أرض خيبر مقابل نصف ما يخرج من ثمارها فأعطاهم ذلك، على أن يخرجهم متى شاء، وكان النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، قد حاز الأموال كلها الشق ونطاة والكتيبة وجميع حصونهم، وقد جرت أثناء القتال مبارزات عديدة ، أظهر فيها المسلمون شجاعة وإقداما عظيمين، وكان النصر فيها حليف المسلمين، ورأى اليهود منهم ما زلزلهم وقذف الوهن في قلوبهم، وقد سمع من وراء خيبر من اليهود كأهل فدك، بما حدث لإخوانهم في خيبر، فبعثوا للرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه الصلح.

فصالحهم وحقن دماءهم وعاملهم في أموالهم وأراضيهم كأهل خيبر، أن يقوموا بها ولهم نصف الثمر، وتم الصلح بينهم على ذلك، وكانت فدك خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب، وكانت خيبر فيئا بين المسلمين، وسُر النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمون بنصر الله تعالى، وطابت نفوسهم برضاه تعالى عنهم، وبما رزقهم من الغنائم، وكانوا قد حازوا كثيرا من المغانم وأصابوا كثيرا من السبي، وكان من جملة السبي السيدة صفية بنت حيي بنت أخطب، فأسلمت رضي الله عنها، واصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه وتزوجها، وقد روى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه “أنه اعتق صفية وجعل عتقها صداقها” وقد رافق فتح خيبر قدوم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه من المهاجرين من أرض الحبشة، فوافوا الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فتحه لخيبر وانتصاره على اليهود.

فسُر الرسول صلى الله عليه وسلم بقدومهم، وظهر عليه شعور من الفرح الغامر، فتلقاه وقبل جبهته وقال “ما أدري بأيهما أنا أفرح، بفتح خيبر أو بقدوم جعفر؟” وأشركهم في الغنائم مع المسلمين، وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وكان قد هاجر من اليمن فألقته وأصحابه السفينة في الحبشة، فبقوا هناك مع جعفر رضي الله عنه والمهاجرين “فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر، فأسهم لنا أو قال، فأعطانا منها” وفى غزوة خيبر قد خرج النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بروح إيمانية عالية، مخلصين لله موقنين بالنصر، مستبشرين بالغنيمة التي وعدهم الله إياها وهم في طريق عودتهم من الحديبية، وثارت الحمية في قلوب المسلمين لقتال عدوهم، ولم يفت في عضد المسلمين كثرتهم وقوتهم، إذ كانت يهود خيبر لا يظنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يغزوهم لمنعتهم وحصونهم وسلاحهم وعددهم، فكانوا يخرجون كل يوم عشرة آلاف مقاتل صفوفا ثم يقولون، محمد يغزونا؟ هيهات، هيهات، ولم يثن من عزمهم منعة حصونهم، بل تحركوا إلى خيبر تملؤهم الثقة بالله، والاطمئنان إلى وعده بالنصر، وتدفعهم عقيدتهم الصافية وإخلاصهم لإعلاء كلمة الله، فانطلقوا مهللين مكبرين رافعين أصواتهم بذلك، والتقى الجمعان وأبدى المسلمون من ضروب الشجاعة والتضحية في سبيل الله ما أذهل اليهود، وجعلهم يستميتون في الدفاع عن أنفسهم وعن حصونهم، وقد أظهر فيها المسلمون شجاعةً وإقداما عظيمين، وكان النصر فيها حليف المسلمين، ورأى اليهود منهم ما زلزلهم وقذف الوهن في قلوبهم، وكان ذلك عندما لم يستجب اليهود لدعوة المسلمين لهم بالدخول في الإسلام، وأصروا على القتال، بل أخرجوا أحد قادتهم الكبار ليحارب المسلمين، وكانت عادة الحروب القديمة

أن يبدأ القتال بمبارزة بين فارسين من كلا الجيشين، والمنتصر في هذه المبارزة يُعطي دفعة معنوية كبيرة لفريقه إن انتصر في هذه اللحظات الأولى من القتال، وقد أخرج اليهود أحد أبطالهم، وكان من أشد الفرسان في تاريخ العرب بصفة عامة، وهذا الرجل كان اسمه مرحبا، وكان رجلا عملاقا ضخم الجثة، وخرج للقتال وطلب المبارزة، فخرج له عامر بن الأكوع، وسرعان ما دارت المبارزة بين الاثنين، وضرب عامر بن الأكوع مرحبا اليهودي ضربة كبيرة، ولكن الضربة طاشت ولم تصل إلى مرحب، وأكملت الطريق إلى رُكبة عامر فَقتل بسيفه، فاستشهد، فقال الصحابة، قد قتل نفسه، وتأثر الصحابة بهذا الموقف، بل وصل الأمر إلى أن بعض الصحابة قالوا، حبط عمله، وكأنه قتل نفسه بإرادته، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم، علق بعد ذلك على هذه الحادثة، وأثنى على عامر بن الأكوع، وقال ” إن له أجرين ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock