مقالات

فى طريق الايمان ومع غزوة خيبر “الجزء السابع”

إعداد / محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء السابع من غزوة خيبر وقد توقفنا مع الصحابى أبو دجانة صاحب العصابة الحمراء، عندما أسرع أبو دجانة بعد قتله إلى اقتحام القلعة، واقتحم معه الجيش الإسلامي، وجري قتال مرير ساعة داخل الحصن، ثم تسلل اليهود من القلعة، وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن في الشطر الأول، وكان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على شبه اليقين بأن المسلمين لا يستطيعون اقتحام هذه القلعة، وإن بذلوا قصاري جهدهم في هذا السبيل، ولذلك أقاموا في هذه القلعة مع الذراري والنساء، بينما كانوا قد أخلوا منها القلاع الأربعة السابقة، وفرض المسلمون على هذا الحصن أشد الحصار، وصاروا يضغطون عليهم بعنف، ولكون الحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يكونوا يجدون سبيلا للاقتحام فيه، أما اليهود فلم يجترئوا للخروج من الحصن، وللاشتباك مع قوات المسلمين، ولكنهم قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال.

وبإلقاء الحجارة، وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصب آلات المنجنيق، ويبدو أن المسلمين قذفوا به القذائف، فأوقعوا الخلل في جدران الحصن، واقتحموه، ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى، بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم، وبعد فتح هذا الحصن المنيع تم فتح الشطر الأول من خيبر، وهي ناحية النطاة والشقِ، وكانت في هذه الناحية حصون صغيرة أخرى إلا أن اليهود بمجرد فتح هذا الحصن المنيع أخلوا هذه الحصون، وهربوا إلى الشطر الثاني من بلدة خيبر، ولما أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح ناحية النطاة والشق، تحول إلى أهل الكتيبة التي بها حصن القَموص، وهو حصن بني أبي الحُقَيق من بني النضير، وحصن الوطيح والسلالم.

وجاءهم كل من كان انهزم من النطاة والشق، وتحصن هؤلاء أشد التحصن، وأرسل ابن أبي الحُقيق إلى النبى صلى الله عليه وسلم أنزل فأكلمك؟ قال “نعم” فنزل، وصالح على حقن دماء مَن في حصونهم من المقاتلة، وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلون بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء والبيضاء، أي الذهب والفضة والكراع والحلقة إلا ثوبا على ظهر إنسان، فقال النبى صلى الله عليه وسلم “وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئًا”، فصالحوه على ذلك، وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين، وبذلك تم فتح خيبر، وعلى رغم هذه المعاهدة فقد غيب ابنا أبي الحقيق مالا كثيرا، فقد غيبا مسكا فيه مال وحلى لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال ابن إسحاق وأتي النبى صلى الله عليه وسلم، بكنانة الربيع.

وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتي رجل من اليهود فقال إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، فقال النبى صلى الله عليه وسلم لكنانة ” أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟” قال نعم، فأمر بالخربة، فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي، فأبي أن يؤديه، فدفعه إلى الزبير، وقال عذبه حتى نستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه النبى صلى الله عليه وسلم، إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بمحمود بن مسلمة، وكان محمود قتل تحت جدار حصن ناعم، ألقي عليه الرحي، وهو يستظل بالجدار فمات، وذكر ابن القيم أن محمد أمر بقتل ابني أبي الحقيق، وكان الذي اعترف عليهما بإخفاء المال هو ابن عم كنانة، وسبي محمد صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، وكانت عروسا حديثة عهد بالدخول.

ولقد كان في هذه الغزوة حادثتين، كل منهما ثابت بالحديث الصحيح تعدان من الخوارق العظيمة التي أيّد الله بها النبى صلى الله عليه وسلم، أولاهما أنه تفل في عين علي بن أبي طالب وقد كان يشتكى منها فبرأت في الوقت نفسه حتى كأن لم يكن به وجع، والثانية هو ما أوحى الله إليه من أمر الشاة المسمومة عندما أراد الأكل منها، ولأمر ما سبق قضاء الله تعالى فابتلع بشر ابن البراء لقمته قبل أن ينطق النبى صلى الله عليه وسلم، بأنها مسمومة فكان قضاؤه في ذلك، ولعل في ذلك مزيدا من بيان ما اختص الله تعالى به نبيه من الحفظ والعصمة من أيدي الناس وكيدهم تنفيذا لوعده جل جلاله “والله يعصمك من الناس” وقد أراد النبى الكريم صلى الله عليه وسلم، أن يجلي اليهود من خيبر، فقالوا يا رسول الله، دعنا نكون في هذه الأرض، نصلحها، ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها.

وكانوا لا يفرغون حتى يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع، ومن كل ثمر، ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم، وكان عبد الله بن رواحة يخرصه عليهم، وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهما، وجمع كل سهم مائة سهم، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانى مائة سهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم سهم كسهم أحد المسلمين، وعزل النصف الآخر، وهو ألف وثمانى مائة سهم، لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين، وإنما قسمت على ألف وثمانى مائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكان معهم مائتا فرس، لكل فرس سهمان، فقسمت على ألف وثمانى مائة سهم، فصار للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد، ويدل على كثرة مغانم خيبر.

ما رواه البخاري عن ابن عمر رضى الله عنهما قال ” ما شبعنا حتى فتحنا خيبر ” وما رواه عن السيدة عائشة قالت ” لما فتحت خيبر قلنا، الآن نشبع من التمر” ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها من النخيل حين صار لهم بخيبر مال ونخيل، ولقد كانت السيدة صفية بنت حيى بن أخطب، جعلت في السبايا حين قتل زوجها كنانة بن أبي الحقيق لغدره، ولما جمع السبي جاء دحية بن خليفة الكلبي، فقال يا نبي الله، أعطني جارية من السبي، فقال صلى الله عليه وسلم، اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة وبني النضير، لا تصلح إلا لك، قال “ادعوه بها” فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال “خذ جارية من السبي غيرها ” وعرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلمت، فأعتقها وتزوجها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock