دين

ماذا عن غزوة عمرة القضاء … الجزء الرابع

كتب/محمـــد الدكـــروى
ونكمل الجزء الرابع مع غزوة عمرة القضاء وقد توقفنا مع معنى كلمة قصواء في اللغة، وهي الناقة التي اقصاها صاحبها عن العمل والخدمة، ولم يرسلها للمرعى وذلك لسمو مكانتها عنده ولكي تظل امام عينيه لا تغيب عنها ليرعاها، وكانت القصواء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، المفضلة وذلك لقوتها وسرعتها وطبعها الأصيل، لهذا كانت مطية الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، في صلح الحديبية، وعندما دخل مكة فاتحا، وطاف عليها حول الكعبة معتمرا، والقصواء كانت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع، حيث دعا متكئا عليها في عرفات، وامتطاها في مزدلفة عند المشعر الحرام وخطب عليها خطبته المهمة، التي بين فيها للناس أمور دينهم، فقد روى البخاري عن السيدة عائشة رضى الله عنها ” أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى راحلة الهجرة من أبي بكر الصديق.
وهما راحلتان اشتراهما أبو بكر، فجاء بإحداهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له “فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” بالثمن ” قالت السيدة عائشة رضى الله عنها فجهزناهما أحدث الجهاز” وهذه الناقة أيضا هي نفسها التي بركت في مربد الغلامين اليتيمين، والذي اتخذ فيما بعد مكانا للمسجد النبوي الشريف، والقصواء قد اشتراها أبو بكر الصديق رضى الله عنه، هي وأخرى من بني قشير بثمان مائة درهم، وباعهه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وماتت في خلافة أبي بكر الصديق وكانت مرسلة ترعى بالبقيع، وقد وصفها سعيد بن المسيب بقوله، كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء لا تدفع في سباق بمعنى أنها كانت لا تسبقها ناقة أخرى، وكان لونها أحمر بين البياض والسواد وأقرب إلى البياض ومكان ولادتها هو مضارب بني قشير بالجزيرة العربية.
ولقد كان لهذه الناقة حال عجيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد وفاته، فلم تحتمل فراقه وحزنت حزنا شديدا ومن شدة بكائها وحزنها على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقدت بصرها، فقام الصحابة بربط عصابة سوداء على عيناها، ولم تأكل أو تشرب مدة شهر كامل حتى ماتت وعمرها أربعة عشرة سنة، ولقد كان فى عمرة القضاء المسلمون متوشحون السيوف، محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم يلبون ويكبرون ويهللون، وقد خرج المشركون إلى جبل قعيقعان وهو الجبل الذي في شمال الكعبة ليروا المسلمين، وجبل قيقعان يقع في الجهة الغربية في مكة المكرمة، ويسمى اليوم بجبل قرن، وحدوده من حارة الباب الي القرارة، وسمي بجبل قيقعان لتقعقع السلاح به في حرب جرهم مع قطورا وهما يومئذ اهل مكة فكانت جرهم بأعلى مكة وقيقعان وملكهم مضاض بن عمرو، وكانت قطورا بأسفل مكة وأجيادين وملكهم السميدع.
وجبل قيقعان جبل عظيم طويل ممتد وفي أصله تقع المروة من جهة المدعى في الشمال الشرقي للمسجد الحرام، وفى عمرة القضاء قد قال المشركين فيما بينهم إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب، أى أتعبتهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم، وإنما أمرهم بذلك ليري المشركين قوته كما أمرهم بالاضطباع، أي أن يكشفوا المناكب اليمنى، ويضعوا طرفي الرداء على اليسرى، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكة من الثنية التي تطلعه على الحجون وقد صف المشركون ينظرون إليه فلم يزل يلبي حتى استلم الركن بمحجنه، ثم طاف، وطاف المسلمون، وعبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرتجز متوشحا بالسيف، ورمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون ثلاثة أشواط.
فلما رآهم المشركون قالوا هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا، ولما فرغ من الطواف سعى بين الصفا والمروة، فلما فرغ من السعي، وقد وقف الهدي عند المروة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر ” فنحر عند المروة، وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون، ثم بعث ناسا إلى يأجُج، ليقيموا على السلاح، ويأتي الآخرون فيقضون نسكهم ففعلوا، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمكة ثلاثا، فلما أصبح من اليوم الرابع أتوا علي بن أبى طالب، فقالوا، قل لصاحبك، اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل بسرف فأقام بها، ولما أراد الخروج من مكة تبعتهم ابنة حمزة بن عبد المطلب، تنادي، يا عم يا عم، فتناولها علي بن أبى طالب، واختصم فيها علي وجعفر وزيد، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر، لأن خالتها كانت تحته.
وفي هذه العمرة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، بميمونة بنت الحارث العامرية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الدخول في مكة بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة، فجعلت أمرها إلى العباس، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوجها إياه، فلما خرج من مكة خلف أبا رافع ليحمل ميمونة إليه حين يمشي، فبنى بها بسرف، وقد سميت هذه العمرة بعمرة القضاء، إما لأنها كانت قضاء عن عمرة الحديبِية، أو لأنها وقعت حسب المقاضاة أي المصالحة التي وقعت في الحديبية، والوجه الثاني رجحه المحققون، وهذه العمرة تسمي بأربعة أسماء، القضاء، والقَضية، والقصاص، والصلح، وتعرف العمرة لغة بالزيارة، أما في الشرع، فهي زيارة بيت الله الحرام على وجه مخصوص، وهي النسك المعروف المتركب من الإحرام والتلبية، والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، وحلق الرأس أو التقصير.
وأما بالنسبة إلى حكمها، فقد اختلف الفقهاء في حكم العمرة، فمنهم من قال أنها ليست واجبة بل سنة، وهو قول الإمام أبو حنيفة والإمام مالك، وابن تيمية، وأغلب أهل العلم رحمهم الله، واستدلوا على قولهم بأن الأصل عدم وجوب العمرة، والتكليف لا يكون إلا بدليل، ولا يوجد دليل يدل على ذلك، بالإضافة إلى الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قائلا “العمرة واجبة فريضتها كفريضة الحج؟ قال لا، وأن تعتمر خير لَك” واستدلوا كذلك بعدم اقتران ذكر العمرة بالحج في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” بُني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان” و منهم من قال أن العمرة واجبة على كل مسلم، وهو قول الإمام أحمد والشافعي، وبعض أهل الحديث رحمهم الله، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل ( وأتموا الحج والعمرة لله) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock