دين

ماذا عن غزوة عمرة القضاء الجزء الثانى

كتب/ محمـــد الدكـــروى
ونكمل الجزء الثانى مع غزوة عمرة القضاء وقد توقفنا عندما عزمت قريش على صد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وصحابته عن البيت، وعاهدت الله أن لا يدخلها عليهم أبدا، وخرجت عن بكرة أبيها واستنفرت حلفاءها من الأحابيش، وقدمت خيلها بقيادة خالد بن الوليد إلى كراع الغميم، لمنع الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسلمين من دخول مكة بقوة السلاح، وقد روى البخاري رحمه الله في صحيحه أن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، لما أحرم بالعمرة بعث عينا له من خزاعة، وسار النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان بغدير الأشطاط، أتاه عينه وقال أن قريشا جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فأبدى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، استعداده للمواجهة أمام تعنت قريش، وأراد أن يشد من عزيمة أصحابه، ويثير الحمية الدينية في نفوسهم.
ليتجاوز بهم مرحلة الخوف والضعف، فاستشارهم في مهاجمة ومقاتلة من صدهم عن البيت، كما روى البخاري في صحيحه أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال ” أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين” قال أبو بكر رضي الله عنه، يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، فقال صلى الله عليه وسلم “امضوا على اسم الله” وبذلك يتبين عزم النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمين على المضي نحو غايتهم، وهي زيارة البيت العتيق، وأنهم مستعدون للصدام إذا ما ألجأتهم قريش إلى ذلك بإصرارها على منعهم من دخول الحرم، وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم، أن يثبت لقريش أنه لم يقدم لحربهم، فعدل عن طريق مواجهتهم.
ليعرفوا حقيقة قصده في الموادعة وتأمين الناس، وحقنا للدماء أن تسال، فسلك طريقا وعرا بين الشعاب، أفضى بجيش المسلمين إلى الحديبية، ورأى هنالك خالد بن الوليد رضي الله عنه، وكان لم يسلم بعد، غبار الجيش فانطلق لينذر قريشا اقتراب المسلمين من مكة، وقد روى البخاري “أن المسلمين لما كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم، إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس حل حل، فألحت، قالوا خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، لكن حبسها حابس الفيل” وهنا ظهر حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم، على تعظيم حرمات الله، وترك القتال في الحرم.
وحقن الدماء أن تسفك في الشهر الحرام، فأعلن استعداده للتفاوض مع قريش، والموافقة في سبيل ذلك إلى أبعد الحدود، فقال صلى الله عليه وسلم ” والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها” ونزل المسلمون بعسكرهم في الحديبية، منتظرين ما تؤول إليه الأمور، وبينما هم كذلك، جاءهم بُديل بن ورقاء الخزاعي، رضي الله عنه وذلك قبل إسلامه وكان مازال على الشرك، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن تصميم قريش على صدهم عن البيت ومقاتلتهم، فقال له النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ” إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره”
وكان هذا بيانا من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، عن سبب قدومه وتصريحا منه برغبته في السلم، وقد كان في بيانه هذا في قمة الإنصاف والعدل، فقد كان يود لو أن قريشا خلت بينه وبين الناس، ليبلغ دعوة الإسلام، وأن يبتعدوا عن طريقها ليوصلها إلى القبائل التي صدتهم قريش عن السماع والاستجابة لها، بما لها من مكانة عظيمة في نفوس العرب، حتى يقضي الله ما يشاء، فيستريحوا من مشقة قتاله، ولا يلحقهم من ذلك ضرر، ثم يصرح باستعداده لقتال من وقف واعترض طريق دعوة الإسلام، وأن رغبته التي يعرضها في سبيل الصلح ليست عن خور أو جبن وضعف، بل هو ماض في تبليغ رسالة ربه حتى يتم الله أمره، وهكذا جاء بديل بن ورقاء الخزاعي ليخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه إذا أراد الدخول، فإن قريش ستقاتله، وتصده عن البيت، وعلى الرغم من أن قريش استمرت بإرسال الرسل لمحاولة إقناع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بالرجوع، إلا أنه ظل يجيبهم بما أجاب به بديل الخزاعي، وعندما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الإصرار من قريش، أراد أن يرسل سفيرا إليها، مؤكدا لهم هدفه من دخول مكة المكرمة، فأرسل خراش بن أمية، وهمت قريش بقتله، إلا أن الأحابيش منعتهم من ذلك، فعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أشار على عمر بن الخطاب بالذهاب إلى قريش، ولكن عمر طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يرسل عثمان بن عفان، لأنه ليس لديه في مكة أحد من بني كعب ليحتمي به إن أصابه أذى من قريش، أما عثمان فلديه عشيرته التي يحتمي بها في مكة، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عثمان ليخبرهم أنهم لم يأتوا للقتال، وإنما لأداء مناسك العمرة، ودعوتهم إلى الإسلام، وليخبر المؤمنين الذين في مكة بإظهار دينهم، فقد جاء وقت الفتح، فانطلق عثمان رضي الله عنه إلى مكة، وكان قد مر بقوم من قريش.
فأخبرهم بحاجته، فصحبه أبان بن سعيد إلى زعماء قريش، وأوصل إليهم رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما انتهى عرضوا عليه أن يطوف حول الكعبة، إلا أنه رفض، واحتجزته قريش فترة طويلة، فشاع بين المسلمين أن عثمان قد قتل، وعندما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن عثمان قد قتل، دعا القوم إلى البيعة، فبايعه الصحابة تحت الشجرة، فكانت بيعة الرضوان، وتجدر الإشارة إلى أن هذه البيعة لم يتخلف عنها أحد إلا الجد بن قيس، ثم وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن خبر مقتل عثمان غير صحيح، وبعد أن تمت بيعة الرضوان، وقبل أن يعود عثمان، أخبر المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن عثمان ربما طاف في الكعبة، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصر على أنه لم يطف بالبيت، مؤكدا على ضرورة إحسان الظن، وبعد أن عاد عثمان رضي الله عنه، أخبره القوم أنه قد بلغ مراده، وطاف حول البيت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock