دين

ماذا عن غزوة عمرة القضاء الجزء الثالث

كتب/محمـــد الدكـــروى
ونكمل الجزء الثالث مع غزوة عمرة القضاء وقد توقفنا عندما عاد عثمان رضي الله عنه، أخبره القوم أنه قد بلغ مراده، وطاف حول البيت، ظانين أنه فعل ذلك دون أن يطوفوا معه، فأخبرهم عثمان رضي الله عنه، معاتبا أنه لا يطوف أبدا قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجابه المسلمون مؤكدين حسن ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه، وقد سُميت بيعة الرضوان بهذا الاسم، لأن الله سبحانه وتعالى، ذكرها في محكم كتابه الكريم، وأثنى بالرضا على من بايع رسولَه الكريم، فقال الله تعالى ( لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا) وقيل إنها سُميت ببيعة الشجرة لأنها وقعت تحت الشجرة عند الحديبية، ويشار إلى أنه كان للمبايِعين فضل عظيم، فقد مدحهم الله في كتابه الكريم، حيث قال تعالى (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)
وفي هذه الآية تشريف لمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال ابن القيِم فيها إنه لما كان المسلمون يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأيديهم، ويضع يده على أيديهم، كان وسيطا بين الله وبينهم، فإن مبايعتهم كانت لله تعالى، وإنه سبحانه وتعالى، فوق السموات على عرشه، وفوق الخلائق كلهم، كانت يده فوق أيديهم، كما أن الله شرفهم بهذه البيعة، فقد رضي عنهم، وهذا فضل عظيم من الله عز وجل، وقد أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوصفهم بأنهم خير أهل الأرض، فقد أخرج البخاري أن جابر بن عبد الله قال ” قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ” أنتم خير أهل الأرض ” وكنا ألف وأربع مائة ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة ” وفى النهاية كان الصلح وكانت بنود الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقريش أن يعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يدخل مكة المكرمة هذا العام.
وإن أراد دخلها العام المقبل، أن تعقد هدنة بين فريقى المسلمين، وقريش مدة عشر سنوات لوضع الحرب، وأن من أراد أن يؤمن فله ذلك، ومن أراد أن ينضم إلى قريش فله ذلك، ويصبح ذلك الفرد أو القبيلة جزءا من الفريق، وأي اعتداء يتعرض له يعتبر اعتداء على الفريق كله، وأن من ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من فريق قريش من غير إذن قائده فارا منهم فإنه يعاد إليهم، ومن ذهب إلى قريش من غير إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارا منه، فإنه لا يعود إليه، وهكذا تم توقيع قريش على المعاهدة، والإقرار بوجود الدولة الإسلامية، وقد تأثرت بذلك القبائل المؤيدة لقريش، وتم كسر شوكة المشركين، والمنافقين، وكبرهم، وإدراك المشركين، ومعرفتهم بعزة الإسلام، وانتشار الدعوة وتوسعها، مما أدى إلى دخول الكثير في الإسلام، وتم انشغال المسلمون باليهود بعدما أَمنوا جانب قريش، الأمر الذي أدى إلى حدوث غزوة خيبر بعد الصلح.
وأيضا إدراك حلفاء قريش لما أراده المسلمون أثناء المفاوضات، بأنهم أرادوا الاعتمار لا الاعتداء، وكان تمهيد هذا الصلح للدعوة خارج الجزيرة العربية، حيث جهّز رسول الله صلى الله عليه وسلم، لغزوة مؤتة، وأيضا استغل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترة الصلح، وذلك بإرسال الرسائل إلى ملوك الفرس، والروم، والقبط لدعوتهم إلى الإسلام، ولقد كان من شروط صلح الحديبية هو أن يعودوا هذا العام بدون أن يطوفوا حول البيت على أن يعودوا فى العام القادم لأداء العمرة، فكانت هى عمرة القضاء وقد كانت عمرة القضاء في العام السابع من الهجرة بناء على الاتفاق الذي تم بين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وقريش في صلح الحديبية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أخذ معه ألفين من الصحابة، وحملوا معهم سلاحا يُقدَّر بعدة حرب، على الرغم من أنهم كانوا سيدخلون مكة بسلاح المسافر فقط، احتياطا من غدر قريش.
فلما رأت قريش هذه العدة، والقوة الإسلامية، وكانوا في فترة انهزام وضعف، فزعوا، وأرسلوا وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، برئاسة مكرز بن حفص، فلقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بطن يأجج بمر الظهران، فقالوا له “يا محمد، والله ما عرفناك صغيرا ولا كبيرا بالغدر، تدخل بالسلاح الحرم على قومك، وقد شرطت ألا تدخل إلا على العهد، وأنه لن يدخل الحرم غير السيوف في أغمادها؟ فأجابه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤكدا على ما اتفقوا عليه “لا ندخلها إلا كذلك” وعلى الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قد تأذى من قريش أشد الأذيّة، وكان باستطاعته أن يستغل ضعفهم، وينتقم لما فعلوه به وبالمسلمين والدعوة، إلا أنه ظل عند عهده، فالإسلام يوصي بحفظ العهود، فوضعوا السلاح خارج مكة، وبقي معه مئتا فارس، لحمايته، ودخلوا البيت لأداء مناسك العمرة بسلاح المسافر فقط.
وكان العهد أن تكون مكة المكرمة خالية من قوم قريش، وظلوا فيها مدة ثلاثة أيام كاملة، وأدوا مناسك العمرة، وكان المشركون على رؤوس الجبال يشاهدونهم، وعندما فرغوا من أداء مناسك العمرة امتلأت قلوبهم فرحا، وراحة برؤية الكعبة المشرفة، والطواف بها، وهكذا كانت غزوة عمرة القضاء قد حدثت في السنة السابعة للهجرة بين قوات المسلمين وقريش، وقد قال الحاكم “تواترت الأخبار أنه لما هلَّ ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وألا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان” وقد استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، على المدينة عُويف بن الأضبط الديلي، أو أبا رهم الغفاري، وأبو رهم هو كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري الكناني مشهور بكنيته، وهو من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أسلم بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقد شهد معركة أحد، وقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرتين على المدينة مرة في عمرة القضاء ومرة في غزوة الفتح، وفى عمرة القضاء قد ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ستين بدنة، وجعل عليها ناجية بن جُندب الأسلمي، وأحرم للعمرة من ذي الحُليفة، ولبى، ولبى المسلمون معه، وخرج مستعدا بالسلاح والمقاتلة، خشية أن يقع من قريش غدر، فلما بلغ يأجج وضع الأداة كلها الحجف والمجان والنبل والرماح، وخلف عليها أوس بن خولي الأنصاري في مائتي رجل، ودخل بسلاح الراكب فقط وهو السيوف في القرب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند الدخول راكبا على ناقته القَصواء، والقصواء هي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، المفضّلة، والقصواء مأخوذة من قصا البعير والشاة وهو قطع من طرف أذنه، وأيضا معنى كلمة قصواء في اللغة، وهي الناقة التي اقصاها صاحبها عن العمل والخدمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock